ذاكــــــرة شـــــعـــــــب
حمل لوحه المضمخ
بالصمخ ،وهرع إلى الفناء يجلي كل أثر للكتابة ، كان يتخيل الماء أفعى تنساب وتسعى
لتتلقف كل كلماته المكتوبة بأصابع أرهقها القلم.كان عادة ما يسأل الشيخ:
-سيدي لم نمسح ما
نكتبه؟الكتابة تنجلي والتعب يظل حاضرا؟ أليس هناك شيء يتلقف تعبي كما تتلقف قطرات
المياه كل ما أخطه في لوحي؟
عادة ما يجيبه
الشيخ بضربة فوق القفا تنسيه تعب الكتابة وتجعله منشغلا بألم الضربة التي كان
يتلقاها في نفس المكان؛ وكأن الشيخ قد وضع علامة خفية ترشده لمنطقة الألم.كان
الكتاب يضايقه بسبب صراخ أقرانه واستظهارهم للآيات بأصوات متفاوتة القبح ،وبروائح
أحذيتهم الملقاة بلا مبالاة.انتهت حصة التجويد وهرع للخارج يتفحص حذاءه الجلدي،
كان حريصا على ألا يختلط مع الأحذية الأخرى، انتعله بخفة واتخذ من اللوح مقود
سيارة وهمية،أدارها في مخيلته ،وأطلق عنان قدميه للركض...لم يكلف نفسه عناء طرق
باب البيت ،ألقى اللوح في الفناء وهرع للمطبخ ليسد رمقه بعد تعب الكتابة والمسح،قبيل
وصوله، كان البيت الذي عادة ما يعج بالضوضاء وصراخ إخوته ونزاعاتهم التي لم يكن
يفقه فيها شيئا: سياسة ، نضال ،مغتصب وطن . أهي أسماء كتب ؟ دوما ما كان يسأل لكن
لا من مجيب.أين كل من بالبيت؟ صمت رهيب ذكره بالليلة التي التهمت فيها الحمى كل
أوصاله ،وأنينه وسط سكون بهيم، مرفوقا بدقات قلبه المرتعشة كارتعاشة يدي والدته
وهي تقلب خرقة جانب منها برد وسلام ،والجانب الآخر كنار اشتعلت، لا مطفئ للهيبها
سوى الدعوات والتضرعات. لا أحد بالمطبخ ولا أحد أيضا بالحمام الذي لا يفرغ، سمع
صوت مذياع ضبط على موجة لا يزال التشويش بها طاغيا، تتبع الصدى أرخى أذنيه وإذا
بصوت يقول :
"غدا
إن شاء الله ستنطلق المسيرة الخضراء، غدا إن شاء الله ستطؤون طرفا من أراضيكم
وستتلمسون رملا من رمالكم وستقبلون ثرى وطنكم العزيز "
فرغ الرجل من الكلام، ورحل صوته آخذا معه
الصمت الذي علا المكان،زغرودة وتهليل ،صراخ وضحكات متعالية...لم يستوعب شيئا مما
يدور حوله، يجرجر طرفا من رداء والدته لافتا انتباهها،قيدت وجهه النحيف بيديها
وقبلته بهستيرية،انفلت منها بغضب سائلا :
- ماذا وقع ؟هل ورثنا شيئا؟ أ ستزوجون إخوتي؟
حمله شقيقه الأكبر رغم ثقل وزنه النسبي
مجيبا :سنذهب لنرجع أرضنا يا ولد ،سنذهب لنرجع الأرض الحبيبة. بنظرات مندهشة وفرحة
غمرته بالرغم من عدم استيعابه لما يدور حوله، توجه بالسؤال لوالده:
- أأرضنا هذه بها بلوط ؟
قهقه الجميع كمن حدثهم بدعابة.رد الأب
بغبطة :
- بها أشياء أهم وأشهى من البلوط.
- ما الذي سيكون أشهى من البلوط؟
استغرب من إجابته ،لم يشف غليله بعد من طرح
أسئلته التي لا تكاد تنتهي يوميا:
- أبي وأين توجد هذه الأرض ؟
-في مكان يبعد عنا بعدة أميال.
-هل ستركب الحافلة ؟هل سيذهب إخوتي ؟ هل
ستجلبون البلوط عند عودتكم؟ أنا أيضا أود الذهاب ...
-اسمع يا فتى ليس لك الآن إلا أن تحرس أمك
وشقيقاتك، أنت رجل الآن وما عليك إلا ضمان الأمن والأمان.
ابتهج وارتسمت ابتسامة رضا على محياه،تذكر
أخاه عندما اعتلى الحصان يوم ختم القرآن،تمنى يومها أن يصير بعمر شقيقه ،كي يلبس
جلبابا أبيض وبردة بنية رطبة الملمس.
غادر الإخوة والأب ،بفرحة العريس يوم
زفافه، زغاريد كثيرة في كل الأزقة، نساء خرجن مودعات وملوحات بوجوه باكية ضاحكة،استغرب
من كل ذلك الحشد ،هرع لفتى كان يكبره بعدة سنوات يسكن في البيت المقابل لمحل سكناه
سائلا :
-إلى أين يذهب كل هؤلاء ؟
- إلى الصحراء ..
-ولم يذهبون للصحراء ؟
- ليستردوها من المستعمر. والدك ذاهب أيضا
ألم يخبروك بهذا ؟
-لا. والدي ذاهب ليسترجع أرضنا المليئة
بشيء أشهى من البلوط .هو لم يخبرني ما هذا الشيء، ولكني واثق من كلامه. ابتسم
الفتى ووافقه
–نعم سيجلبون أشياء أشهى من البلوط.
عاد للبيت برفقة أمه الباكية العينين
،المبتسمة الثغر، وهو منتظر بشوق عودة إخوته ووالده ،وذلك الشيء الشهي الذي لا
يقارن بلذة البلوط...
بقلم : سكينة
عبد اللوي علوي

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق