قيظ تموز:
أعلن يوم جديد عن
نفسه بأشعة شمس حارقة، حدق في الساعة الحائطية المربعة الشكل، لم يميز بين العقرب
الصغير ولا الكبير، كلاهما حطا الرحال بمعترك الرقم أحد عشر ،ألقى الغطاء المرهف
النسيج أرضا،تحسس جسده المتعرق بفعل قيظ تموز الذي أنضج سنابل حقل في ملكية زوجته،
ذباب أبى إلا أن يلقي تحية الصباح ،متمما بلسعاته ما خلفته حرب البعوض ليلا، والمصابيح
لفظت آخر شعاع منبعث منها، بثور انتشرت على جلده القمحي، استاء من كثرتها :
-
لاشيء قادر على فتك هذه الحشرات اللعينة، أدركت أن دمي من
فصيلة نادرة فاغتنمت الفرصة ،وكأنها أمام عرض
محدود.
بدأت أظافره تشق
طريقها بين منعرجات البثور الملتهبة، طريق ألفتها مذ كشف الصيف عن قيظه، جال
بعينيه في الغرفة التي اصطبغ سقفها بمخلفات الحشرات، صورة تخلد ليوم زفافه بإطار
خشبي رخيص ،بسمة زوجته التي لم يعد يراها، تذكر تلك الليلة بكل استعدادات أهل
القبيلة لاستقبال عروس من قبيلة أخرى لم تعهد تزويج بناتها لغير أبنائها، كان هذا
سببا في حضور كم من الناس ممن يحبونه و يكرهونه على حد سواء، زغاريد وبخور تحترق
بالمجامر النحاسية، ألبسة براقة، ضفائر شعر أطلت عمدا من تحت أغطية رأس حريرية.
كانت تلك أول مرة يرى والدته تضع كحلا بعينيها، نظر إليها باندهاش وحسرة ،الكحل
المحدد لعينيها الصغيرتين فضح كل ذلك الحزن والشقاء المخفي ،غارت مقلتاها، وارتسمت
على جلد وجنتيها تجاعيد مبعثرة...صورة لم يكن ليتخيلها لولى تلك الكحل التي علقت
بغير تناسق بعينيها،ألقى بذلك الاندهاش بعيدا، منع نفسه من البكاء، وعاند صوته
ممازحا إياها:
-
اعذريني يا آنستي، كنت سأطلب منك الزواج بي، لكنك
تأخرت بالظهور،فاليوم يصادف عقد قراني.
ضربت على كتفه
بيد، بينما اليد الأخرى تكفلت بحجب عينيها المكتحلتين ، وكأنها أدركت ما كان يخفيه
بين ثنايا صدره.
-
لو سمعك والدك لمزق اسمك من على الدفتر
العائلي، ألم يئن الأوان بعد لتكون جديا؟ كن رجلا وارفع رأسنا وسط القبيلة...اليوم
يومك.
تبسم، قبل يديها
المثقلتين بحناء لا يزال فتاتها عالقا بأظافرها، انصرف يطمئن على سير الحفل الذي
لم يتبق على بدئه إلا دقائق معدودة ، أطل
بجلبابه البيضاء، يحيي كل الرجال الذين اتخذوا لهم مكانا في الخيمة التي خصصت
للعرس...ذكريات أبت أن تفارقه.
-
فلترقدي في سلام يا والدتي الحبيبة.
-
سترقد في سلام إن فعلت أشياء تستحق من أجلها الرحمة.
حدثته بغضب، وقفت
مشمرة عن ساعديها، وشرارات الحقد تكاد تشعل ما بالغرفة من أثاث بال.
-
أصبحنا وأصبح الملك لله
-
بل قل أمسينا... الشمس في كبد السماء، وأنت
إما أن تغط في النوم كالأموات، أو تحدث
الأموات.
-
وهل هناك شغل ورفسته بقدمي؟
-
العمل بأشكاله وألوانه بالمدينة، لا بالفراش،
افعل ما فعله أهل القبيلة العقلاء، شدوا الرحال للمدينة ووفروا لعائلاتهم عيشا كالملوك.
-
المدينة ليس بها إلا التعب والبلاء.
-
بل النوم هو الذي نخر عظامك ولم تعد قادرا
حتى على ترتيب سريرك.
انصرفت من الغرفة،
حاملة الغطاء المتعرق ،احتقن وجهه، ثارت ثائرته،لم يجد بدا من ترك هذا الجحيم
المتكرر كل صباح أمام أعينه، أخرج حقيبة سفر بينة اللون، ألقى بداخلها بعضا من
خرقه البالية، خرج قاصدا المدينة... بنايات ومقاهي متراصة على الطرقات، أضواء
وضجيج لا ينقطع، مرت بجانبه نساء حسناوات، انبهر بلون بشرتهن وبخفة حركتهن، قمصان
زهرية، تنورات قصيرة، سال لعابه، تبسم، حك فروة شعره، تبعهن بلا شعور، شكر
زوجته من أعماقه على حور المدينة التي لم
تحرمه منها.
ـــــ س.ع .ع
ـــــ

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق