الأربعاء، 6 مايو 2015

أسئلة قيد التفكير



أسئلة قيد التفكير:


تعلم أخيرا كيف يفك طلاسم الحروف، كان قبل وقت قليل لا يرى إلا أشكالا تسعفه مخيلته على تمثل الديدان الملتوية، ديدان الأرض البنية اللزجة، التي بمقدورها أن تعيش حتى بعد أن يفصل جسمها لنصفين غير متساويين. لكثرة حبه للأرض وارتباطه بالتربة ، لم تكن لتفته فائتة من تحركات الحشرات والحيوانات الصغيرة، يعرف وقت تزاوجها ووقت أكلها، وميقات خلودها للنوم... تلك التفاصيل الصغيرة لا تخفى عليه أبدا، إلا أنه لم يكن يميز بين السين والشين، كان يتوجه للمقهى الذي يبعد عن بيته بعدة أميال يقطعها عادة سيرا، أو فوق دابة أرهقها الحرث وقسوة التربة بفعل شح السماء، يصل إلى تجمع من الرجال لا شغل لهم غير الحديث عن الأرض والسماء وحبل المياه المنقطع بينهما، وحرق التبغ الرخيص.
-        ألم يقل المذياع أي شيء عن نزول الأمطار ( للنادل )؟
-   المذياع فرغت بطاريته، يتوجب علي الذهاب للمدينة لجلب بطاريات جديدة، لا أدري السبب في فراغها سريعا، صاروا يسرقون كل شيء حتى ما بين السلك وما يحجبه.
-        وكيف استطاعوا أن يسرقوا ما بداخل البطارية؟ ومن هم هؤلاء؟ هل هم بشر مثلنا ؟
-   أتذكر ذلك الرجل الذي زارنا منذ سنوات وقال بأنه من بلاد بها جبال على أشكال مثلثة بناها الإنسان منذ زمن بعيد؟
-   أجل .حينها لم أصدقه، فلا يمكن لنا أن نبني جبالا.لكن ابني الذي أبعثه للمدرسة قال لي بأن كلامه صحيح وهذه الجبال تسمى الأهرامات.
-        أجل أجل الأهرامات.
-        ما به ؟ وما دخله بالبطاريات التي يسرق ما بداخلها؟
-        لقد سمعته عبر المذياع يتحدث عنا.
 رمقه في اندهاش تام، وهو غير مصدق لما التقطته طبلة أذنه من حروف النادل.
-        وكيف دخل للمذياع؟ إن هذا لعجيب.
-        قال بأن أرضنا بها نباتات مخدرة، وبأن سكان المنطقة لا يدرون قيمتها.
-        مخدرة؟ أيقصد الحشيش ؟أ بالقرية حشيش ونحن لا ندري؟
-        ليس حشيشا.لو كان الأمر كذلك لكنا الآن نتناول قطاني باردة من وراء قضبان صدئة.
-        وأي شيء إذن ؟
تصاعدت ضحكة قوية من وسط تجمع الرجال، قطعت تلك الجدية التي علت حوارهما، وتشتت نظراته بين كل وجه على حدى، يستجدي إجابة شافية تقذف به في معترك فهمه وإدراكه البسيط ،الذي لا يقوى على تعقيد، فحتى نقاط الشين تشكل لديه خللا.فما أرداك بهذا الكم من الأخبار: سرقة ما بالبطاريات، جبال بناها الإنسان، رجل دخل في المذياع، ونبتة مخدرة بقريته ليست بحشيش، دوامة من الأفكار جعلته يقرفص واضعا يديه فوق رأسه.
-        بالله عليكم، أخبروني ما الأمر، ارحموا عقلي  الذي خرج توا من إرهاق تعلم الكتابة والقراءة.
-   الأمر وما فيه أن الزائر الذي جاء من بلاد الأهرامات، قد شرب معنا شايا به نعناع، وبما أني أعد شايا لا يوجد في كل البلاد، فقد أدمن شربه، واعتقد أن به مادة مخدرة، فسألني عن تلك النبتة التي أضعها في كأسه، فأخبرته بأنها نعناع، وأردف بالسؤال:
-        هل هي نبتة مخدرة؟
-   لا سمح الله.نحن لا نستهلك الحشيش، إنها نبتة عادية ننسم بها الشاي ويتناولها الكبير والصغير في القرية، لكن بسبب الجفاف قل منتوجها.
تعالت الضحكات من جديد، والكؤوس المتناثرة فوق المنضدة تتراقص معلنة عن وقوع وشيك، رمقهم بنظرة مستغربة، عينان تائهتان بين ضحكات جنونية أفقدت الرجال صوابهم، فتوجه إليهم سائلا:
-        وما علاقة كل هذا بمن يسرق ما بالبطاريات؟ و أيضا بنزول الأمطار وبث الخبر بالمذياع؟
سكت الجميع، نظر إليه النادل وتبسم كعادته، وباغته بالسؤال:
-        هل تريد جريدة قديمة تروض فيها بصرك على القراءة؟
-   لا.لم أعد بحاجتها، سأذهب لأبحث عن أولئك الذين يسرقون ما بالبطاريات، وحرمونا من المذياع.
خرج غير مبال بقهقهات الرجال، وانهيارهم ضحكا، وعاد لحقله يراقب الديدان التي انشطرت لنصفين.
ـــــ سكينة عبد اللوي علوي ــــــ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

على كراسي الانتظار

على كراسي الانتظار (مجموعة قصصية) سكينة علوي آخر إصدار للكاتبة سكينة علوي بعنوان: على كراسي الانتظار تعرض المجموعة القصصية على كراسي ...