ثــــأر :
استيقظ من دون منبه، نظر من تحت فراشه لقطرات
المياه المتزحلقة على زجاج نافذته الصغيرة، بدأت أصابعه المنهكة بسحب الغطاء ،تحسس
برودة الجو، انكمش على نفسه مجددا، رافضا مغادرة الدفء المصطنع، أغمض عينيه، استمع
لزمهرير الرياح خارجا وهي تعصف بأغصان شجرة الكرم التي احتضنها العراء، استجمع
قواه عاضا على شفته السفلى المنشقة بآثار البرد الجائر، خرج من تحت الغطاء بحذر،
باحثا عن جواربه التي انسلت منه ليلا.
-
إنها تمطر، ألن تذهب للعمل ؟
-
وهل يدفع لنا أحد أجرة عن نزول المطر ؟
-
لم أنت هكذا ؟ تريد افتعال المشاكل دوما.
-
أنت من تعكرين صفو يومي بأسئلتك التي لا تشي إلا
عن غباء.
-
لقد وضعت الماء فوق النار، لا تنس أن تجلب عند
عودتك زيتا، فلم يعد بالبيت قطرة واحدة.
لم يلق لكلماتها بالا، تنهد بحرقة، تناول
جوربا وجده ملقيا أسفل السرير، بينما الجورب الآخر لم يعثر له على أثر، أطال البحث
والتفتيش بين ثنايا الفراش، لكنه لم يفلح في شيء ،ألقى بقدميه الدافئتين لحضن الخف
البارد، اقشعر بدنه وارتعش، اتجه للحمام الذي لا يتوفر على أبسط وسائل النظافة،
أطل على قطعة مخدوشة من المرايا، تراءى له
شعره المنكوش وسواد ما تحت عينيه، تحسس ذقنه الخشن، اشتم رائحة فمه المروعة
محدثا نفسه :
-
كيف تستطيع تلك المرأة أن تعيش مع شخص مثلي؟
وكيف تقدر على تحمل النظر في هذا الوجه؟ أنا أشبه بمسخ آدمي، لا أستطيع تحمل نفسي
عند استيقاظي، فكيف لها هي أن تلقي علي حتى تحية الصباح؟
-
الماء جاهز، أتريد أن تفطر بالبيت أم أنك ستأخذ
الطعام كعادتك؟
-
فقط جهزي ما توفر وضعيه فوق الطاولة أنا قادم .
غمس ملامح وجهه في إناء به ماء دافئ، لا
صابون يجلي عنه جراثيم الليل المنتشرة بخبث، أخذ القليل من مسحوق غسل الثياب، فركه
بين يديه ومرره على وجهه بسرعة جنونية،
بحث عن منشفة تقيه من تجمد المياه فوق مسامه بفعل درجة البرودة الكبيرة،
التفت يمنة ويسرة، لا أثر إلا لمنشفة قذرة اختلطت مع ثياب متعرقة ألقيت في إناء
يعترك بزاوية الحمام، نظر إليها بتقزز،أغلق أنفه ومررها لتلتهم القذارة قطرات
المياه العالقة بين مسام وجهه المتسعة، شتم الفقر وكذا صاحب البيت الذي يجبره كل
شهر على دفع أغلب ما لملمه من قطع نقدية، كان يشعر بأنه عبد أمامه، فكر مرارا ببتر
رأسه من على رقبته، لكنه كان يتراجع عن قراره، فالرجل له علاقة برجال السياسة،
كلما حلت فترة الانتخابات إلا وكثرت السيارات السوداء الفخمة بجانب بيته، قيل له
مرة أنه يملك مسدسا ومرخص له بإطلاق النار على أي كان؛ هذا كان سببا كافيا ليجعل
من أطرافه ترتعش كلما قصده لأخذ أجرة البيت، لكنه كان يتمنى من أعماقه أن تلقي به
الصدف أمامه لكي يفصل رأسه البيضاوي الأصلع من فوق جسمه الذي يحمل بطنا متدلية كامرأة حامل في شهرها
الأخير...اتجه للمطبخ ليروي عطشه ويملأ معدته قبل الخروج للعمل، وجد شايا بدأت
البرودة تذب إليه، خبز شعير وزيتون أسود.
-
أين الزيت ؟ ألا تعلمين أني لا أفطر بدونها؟
-
ألم أقل لك قبل قليل بأنه لا زيت بالبيت !
-
كان عليك أن تتركي لي خبرا قبل اليوم، ما هذا
الغباء؟
لم تجبه كعادتها، بل تابعت فك عقد خيوط الصوف
المتناثرة أماها، وهي تدندن لحنا حزينا حفظته من برنامج إذاعي يبث كل يوم سبت، لكن
اليوم لا يصادف بثه فأخذت تستحضر أثناء عملها ذلك اللحن الشجي الذي يخفف عنها رتابة الصمت
بالبيت، فلا أطفال لها ليملأوا الأركان بصراخهم. ارتشف من الشاي القليل وحمل
معه ما تبقى مما كان موضوعا فوق الطاولة،
تذكر الرجل الأصلع الذي ينهب ماله واحمرت عيناه غضبا ،اتجه بسرعة إلى غرفة بها
مجموعة من الخردوات لا تصلح لا للبيع ولا للشراء، حمل فأسا وغادر من دون أن يلقي
تحية الوداع، لفحه البرد وبياض الثلج المتراكم فوق الأرصفة، لم يجد طريقا يوصله
للغابة حيث الحطب ملتحف بالثلج المتراكم، كان المطر قد توقف لكن لا مكان يقصده
ليجلب دراهم يومه، تذكر شجرة الكرم التي تمثل الشيء الكثير لصاحب البيت العجوز،
فوالده من زرعها، وهي له بمثابة إٍرث لا
يجب التفريط فيه، ابتسم بخبث، اتجه نحوها بخطوات متسارعة، انهال عليها بضربات فأسه المتوالية إلى أن وضعها أرضا، جمع
الأعواد، واتجه للسوق، باع كل ما استأصله من أغصان، اشترى زيتا، عاد للبيت فرحا
وكأنه انتزع رأس العجوز دون خوف من طلقات مسدسه المرخص.
ـــــ سكينة عبد اللوي علوي ــــــــ

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق