مرارة قهوة
رياح غاضبة تقرع زجاج نوافذ غرفتها المهترئة، الساعة تجاوزت الثالثة صباحا ولم تتحسس ثقل جفونها بعد، معدتها تعتصر جوعا ،لاشي بالمكان تسد به رمقها، ما عدى أوراق علاها حبر أزرق، كتب متراكمة لا شهية لها بالنظر فيها، فلاشيء يدعوها للمطالعة ، إذ تستعملها فقط كجواز إقامة في غرفة، أبت صاحبة البيت العجوز المثقل وجهها بتجاعيد، تبدو على أنها طرقات متشابكة، أن تسمح لغير الطالبات بالإقامة في بيتها المكون من طابقين، لا جمالية به ولا رقي، بصوت مبحوح من كل شهر تقف لها عند المدخل لتذكرها بأداء واجب الإقامة، وإلا فل تترك المفاتيح التي استنسختها بمالها الخاص، كانت أشد ما تمقته هو رائحة تلك العجوز، كان يخيل لها أنها ببيت عرافة أو ساحرة ...روائح كريهة سببها حرق لعدة جلود وشعر حيوانات متعددة...لمن كانت تقام تلك الطقوس ؟ سؤال تكرر في ذهنها طيلة فترة إقامتها لكن لا برهان.لم يكن أحد يحب العجوز، ورغم ذلك لا أحد يرفض لها طلبا، مفارقة مريبة:
- هل سحرت أهل
الحي ؟ربما سحرت المدينة بأسرها من يدري ! هل لها لعنة كما في الأساطير الغجرية؟إن اكتشفت أمري ستسحرني
أيضا، قد تحولني لضفدع ينق مؤديا صلواتها السوداء عند اكتمال دورة
القمر...على ذكر الدورة، ألام دورتي الشهرية تأخرت، هل سحرت لي العجوز، هل يعقل أن
يكون برحمي كائن خفي يتدفق إليه دم طمثي الملوث؟ أقد
يحول مجرى الدم بعروقي ؟ آآآه سأغير هذا المسكن اللعين لا محالة...
حل
الصباح ،لم تذق للنوم طعما، عويل زحمة النهار يزداد شراسة، شاحنات غاضب محركها،
باعة ينقبون عن زبون يفتتح لهم جيوبهم بدراهم قليلة...انتفضت واقفة تنزع عنها ما
علق من فتور، وضعت الماء يغلي لتهيئ فنجان قهوة ،لكن لا قهوة بالغرفة ،بحثت في
محفظتها عن قطعة نقدية لتشتري قهوة سريعة التحضير، قلبتها مرارا لكن دون جدوى ،لا دراهم
ولا أوراق نقدية، فقط أوراق الحافلة تتراكم من دون انتظام...تنهدت ونظرت في المرآة
،الزمن بدأ يترك أثره على صفحات وجهها ؛بين حاجبيها، وعلى جنبات حدقتيها، أخذت
علبة التزيين الخاصة بها، خبأت ما كان يزعجها، لبست معطفا جلديا بدأت أزراره
تتلاشى هي الأخرى، غادرت وكرها من دون أن تبلل شفتيها برشفة قهوة، أطلت على الشارع
تعتزم البحث عن عمل يمكنها من شراء أكياس قهوة سريعة التحضير، لم تعد القهوة
المغلية تغريها...حل المساء ،أدارت مفاتيح غرفتها داخل القفل الصدئ، رمت بحذائها
المغبر جانبا ،غلت المياه وسكبت كيس القهوة داخل فنجان مشقوق الرأس. تصاعد البخار،
لا رائحة تغري على احتساء ما بالكوب، أغلقت عينيها وارتشفت القليل، ارتجف جسدها
الهزيل بفعل مرارة القوة اللاذعة، استلقت على ما افترشته أرضا، تفكر في الغد وما
يحمله لها من متاعب مرفوقة بدريهمات قليلة ...
ـــــ سكينة عبد اللوي علوي ــــ
ـــــ سكينة عبد اللوي علوي ــــ

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق