قربان
أعرج
زارها في ليلة باردة يتيمة من بدر ينير شحوبها، رمى حصى صغيرة تقرع
نافذتها، هبت لتتفقد من يناديها في جوف الليل البهيم، لتجده واقفا في الخارج ،وبقايا
تنفسه تتحول إلى غبار متصاعد في كبد السماء المتشحة بالسواد، كما هي نظراته
للنافذة الموصدة، رمقته بنظرة عتاب:
-
شهر وتسع ليال وخمس ساعات
واثني عشرة دقيقة و سبع وثلاثون ثانية...
كل هذا الوقت لم يطرق بابها، ولم تصلها منه نسمة واحدة تجعلها قادرة
على تنفس الهواء بدون عناء،أتعاتبه على الفراق ؟ أم تلبسه ذراعيها ،وتكمم شفاهه ،لتسرق
ما كان لها من هواء مندس بين رئتيه...لم يلق لشغفها
بعودته بالا؛ بل استمر في جبروته، ألقى على قارعة بابها علبة ، لم يكلف نفسه عناء
لفها في ورق هدايا براق، فقط علبة بلون أبيض شاحب، لم تثرها العلبة ، بقدر ما
أثارتها لا مبالاته في تلقي هبتها، هبة تلخصت في قلقها، شرودها، تمتمتها في الرد
على الاتصالات المجهولة ،التي خائبة ما كانت تتوقع من ورائها سماع صوته المغلف
بكبرياء لا يطاق، عادت بخطى متثاقلة لتلف وجهها الشاحب بوشاح أهداه لها ذات عيد، غرست
قدميها بجوارب سميكة،قد تساعدها على قطع مسافة دهر بينها وبين باب يفصلها عن جسده؛
أما روحه فقد كانت حبيسة دولابها الموصد ليل نهار...نزلت الدرج بقلبها المنهك
الدقات، المنحبس الأنفاس، لم تنس تلك الابتسامة المعاتبة المداعبة، فتحت باب بيتها،
تعثرت بالعلبة الشاحبة ،وببقايا عطر منسكب على قمصانه، ترك كل شيء كعادته وانسحب، سقطت
الابتسامة أرضا، واجتمعت برودة السماء في أطراف أصابعها المندسة في صوف منسوج، حملت
العلبة كأم اختطفت رضيعها من لسعات الرصيف البارد، فتحتها بخشية متورع ،لتجد بها
حذاء ذو كعب عال...لم تشعر بيديها، إلا بعدما بللتهما قطرات عينيها المتدفقة كغدير
يحمل بقايا نبات العريش، لم تكن تلك دموع فرحة بالهدية.بل دموع فراق دوِّن في
الدفاتر والسجلات التي لا تبلى، اليوم أعلن السيد عن انسحابه من ساحة حبها،
فالحذاء جاء به ليذكرها بأنها امرأة عرجاء، وهو إله لا يهوى القرابين المنكوبة.
ــ سكينة عبد اللوي علوي ـــ

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق