الأحد، 3 مايو 2015

أحـــــب الأستــــاذ حــــبيب أمـــــــــي



    أحـــــب الأستــــاذ حــــبيب أمـــــــــي 


قصة اليوم ،هي لابنتي البكر،التي أعادتني بالزمن للوراء، ليس بسنة أو اثنتين أعادتني عشرين سنة إلى الوراء؛ حدث ذلك عندما دخلت غرفتها ،أطلع على أحوال النظافة هناك ، وجدت المكان كعادته نظيفا ومرتبا ويعبق برائحتها التي ترفض أن تشاركني اسم عطرها، تقول إنها لا تريد أن تكون قدوتي، يكفي أن أكون أنا لها قدوتها.أحب نظرياتها فعلا، إنها جريئة تماما كما كنت في صباي ، أحيانا أتساءل؛ من أين جاءت هذه الفتاة بكل هذا العناد والشراسة ؟ فيجيبني والدها بهدوء الواثقين :
-        نسخة مصغرة عنك يا سيدتي.
 أبتسم ابتسامة ،لا أدري هل هي ابتسامة غرور أم حسرة على ماض فات، وبينما أجول بممتلكاتها ،وجدت دفتر ملاحظاتها اليومية؛ ودوما ما ينتابني الفضول كي أطلع على ما تكتب ،كنت أقاوم نفسي وأحترم خصوصياتها. هذا ما علمتها إياه ولو كان هناك  شيء ذو بال، لأخبرتني به من فورها .لذا لا داعي لأقلق لخربشاتها، أنا أيضا كنت في مثل سنها أخبئ مفكرتي بشكل جنوني، مع أن ليس بها شيئا ذو قيمة،  خرجت من غرفتها وسوسة الشك والحيرة تنخر تفكيري، ذهبت للمطبخ لأعد فنجان قهوة برازيلية لاحتسائها على أنغام السيدة فيروز، وبينما كانت تفعل الأنغام ومذاق القهوة فعلها فيَّ ، باغتتني فكرة أن أطلع على محتوى المفكرة ، فقلب الأم لا يخطئ، ذهبت بخطى متسارعة لغرفتها ،أقفلت الباب خوفا من أن يلمحني زوجي أعبث بحاجياتها، وأنا التي أقيم الدنيا معه ولا أقعدها بسبب كثرة اطلاعه على أشيائي...موقف محرج فعلا ،أنا أبحث في الصفحات وبين السطور والكلمات ،لم أجد أشياء مهمة ، قصص مع زميلاتها بالفصل، طرائف صديقاتها ،بعض ما يحدث بالبيت معنا ، لكن صفحة واحدة أثارتني في المفكرة أسرها ،عنوان عريض أرقني طوال مدة ومنعني من النوم ومن سؤالها حتى ،كتبت فيه:
-        [ أحــــب الأستاذ حبـيـــب أمـــــــــــــي]
ظللت ليال من القلق والتوتر، الحيرة تكاد تودي باتزاني، ضغطي يرتفع كل يوم، نسبة السكر في دمي تعلو وتنخفض في مد وجزر رهيبين...والد أطفالي بدأ يرتاب من وضعي، لم يقل شيئا نعم؛ لكنني أقرأ ذلك من نظراته لي، من طريقة سؤاله عن حالي، من لمسات يديه لحرارة جسمي تارة ،أو لقياس نبض توتري...الحق أقول، في تلك الأيام نقصت جرعات حبي التي كان يقتات عليها.لم أكن أعرف كيف أتحدث معه في أمر قد يدمر أسوار قلعة سعادتنا العتيدة، ويدحرج بقلبه كتل شك وغيرة حارقة، فكيف لي أن أقول له أمرا أجهل جوهره.مع علمي دوما أن الأمور لا تكون كما تبدو عليه...لكن شعرت بأن هناك خطرا يحدق بسعادة وأمان أسرتي. من هو هذا الحبيب الذي تتحدث عنه ابنتي البكر؟ هل فعلا كان حبيبي ؟ لا أذتكر كم حبيبا كان لدي في صباي؟ بل حتى لا أستحضر أسماءهم؛ فعلاقاتي مع الشبان آنذاك،  كان يغلب عليها طابع الريبة والشك والهرب في أغلب الأحيان .لم تكن لي قصة حب أحتفظ بها لنفسي أو أخطها في ورقة وأضعها داخل قنينة زجاجية تحملها أمواج البحر بعيدا لشخص بحاجة إلى قراءة قصة حب يستجدي منها بعض العبر والدروس.علما أن  زماني كان يعج  بالروايات الغرامية  التي تملأ الأكشاك، وكأن الأفراد جياع للحب وقصصه.لا أتذكر إلا أولئك الذين جمعتني بهم الدراسة أو العمل ...أحدث نفسي :
-   من هو حبيبي هذا الذي تعرف لابنتي وجعلها تقع في شرك هواه؟ من يكون هذا الشخص الذي أفضى لابنتي بعلاقة دارت بينه وبيني منذ دهر ؟ كيف حصل أن صار حبيبي - على اعتبار أنه حبيبي فعلا - أستاذا لابنتي؟هل من حسن الصدف أم لسوئها ؟كيف لي أن أعرف إجابات لكل هذه الأسئلة؟ كيف لي أن أرتاح من أمر كهذا؟ هل سأقبل بحبيب ابنتي هذا ؟هل سأسلم حبيبي لابنتي؟لا .أمر غير معقول لا أستطيع تصورها حتى.ولم سأسلم لها شيئا سلبه الدهر مني؟ هل فرقنا القدر ليكون له نصيب مع ابنتي ؟كيف يعقل أن يكون حبيبي زوجا لابنتي وأبا لأطفالها؟من سيشعر بالعار أنا أم هو أم ابنتي ....؟ أ معقول أن أهيء ابنتي ليلة زفافها لتكون لرجل جمعني به الحب سابقا؟
كاد الجنون يجد لي سبيلا، فقررت أن أواجه الوضع، وأتحرى الحقيقة...وذلك بالتوجه لمدرسة ابنتي ،عقدت العزم على كشف هوية حبي أنا وابنتي المشترك، لبست أحسن ما لدي في خزانتي، وتعطرت بأفضل عطر قدمه لي زوجي...لم أكن أعرف أتأنقت من أجل حبيبي المجهول أم لأجل لنفسي ،لأتحدى الزمن وأعود شابة في العشرين من عمرها؛ مع أن هذا كان صعبا للغاية، لأن علامات الزمن كانت مرسومة على ملامح وجهي.لكن عندما أقنع نفسي بشيء فلا أحد قادر على إحباطي، توجهت للمدرسة ، وببالي فكرة أني شابة في العشرين... فكرة غبية حقا، لكن هذه هي حال الأنثى، تحن إلى شبابها خصوصا إذا التقت بشخص تشارك معها تلك السنون، كنت أسير بكعبي العالي بسرعة شديدة وكأني أسابق الزمن، كان دخولي من باب المدرسة وعبوري ممراتها وأروقتها كالحلم العذب و الكابوس المفزع في الآن نفسه... شيء ما يجري داخلي،  صراع يحدث بين الماضي والحاضر بين الأمل والحنين بين الخوف والقلق ، تمزق تشتت فكر وأفكار، وقلة حيلة، ما العمل ؟
دخلت مكتب المديرة بوجه بشوش تعودت عليه في لقاءات كهذه،هذه هي الأم ،تكون حاضرة بكل حواسها وعواطفها في أمور أبناءها، تساءلت المديرة عن سبب قدوم أم أنجب تلميذة بالمدرسة، وأكثر التلميذات انضباطا وحرصا على مواظبة دروسها،أبهجني الأمر لكن سبب قدومي يومها، كان أقوى من معرفة مستوى طفلتي، أخبرت المديرة أنني بحاجة للائحة الأساتذة المشرفين على تدريس ابنتي ،وأني سأكون ممتنة ، إن هي زودتني بعناوينهم ،لم تترد السيدة، توجهت لحاسوبها فورا وزودتني بالورقة التي طلبت، يداي تتعرقان، وقدماي ترتعشان خلف المكتب الضخم المحاط بكم هائل من ملفات متراكمة بعضها فوق بعض، أخذت الورقة، وبدأت أقرأ الأسماء بسرعة جنونية، وإذا بالمفاجأة.
                                                                          
كنت أكذب عيني ،أعيد القراءة مرات ومرات ،لدرجة حفظت فيها القائمة بمن عليها، صارحت نفسي أخيرا، وتقبلت الوضع كما هو،إذ لم أجد أي اسم أعرفه،لم تسعفني ذاكرتي ،لا أحد من هؤلاء يبدو اسمه مألوفا، معقول هل فقدت ذاكرتي ؟ لا أبدا .أمر مستبعد جدا، لملمت الورقة ووضعتها في حقيبة يدي الجلدية ،شكرت المديرة على تعاونها وانسحبت بخيبة ،حينها لم أكن أعلم سبب خيبتي ، على طول الطريق الرابطة بين المدرسة وبيتي لم أفكر في أي شيء، ما عدا فكرة حبيبي الأستاذ الذي لم اعثر على اسمه ضمن القائمة ؛أسئلة شتى هاجمتني ووضعتني في معترك ضيق، صعدت الدرج الذي يقود لباب بيتي وأنا حافية القدمين ، كعب حذائي انكسر بسبب خطوة معوجة مني،يومها كل شيء تمرد علي حتى أشيائي...دخلت البيت فإذا بي أجد زوجي أمامي يستقبلني بعد عودتي،قلبت الأدوار بيننا اليوم ،عادة ما أكون أنا في الاستقبال، بابتسامة باردة رحب بي...وبدأ ينتظر إجابة على سؤال لم يطرحه، تلعثمت ، ارتبكت وبدأت أشيح نظري عنه ،أنظر هنا وهناك بطريقة عصبية، عاين حالي مليا ،أفسح لي الطريق من دون أن ينبس بحرف واحد،زاد هو الآخر من حدة  توتري فقد عاقبني عقوبة أرهقتني.
كم أكره صمته وبخله في الحديث، أزلت المساحيق العالقة بوجهي غبار التصق بقطرات العرق المتسربة خلسة من مسام وجهي، ما طبع على خدودي من أحمر شفاه مديرة المدرسة، رسمت ابتسامة باردة على وجهي وقصدت والد أطفالي، وجدته مستلقيا ينتظر قدومي...تيقنت أنه بحاجة لتبرير أكثر من حضوري أمامه...ولم يعرف أني أنا التي كنت بحاجة لتبرير تجاه نفسي أكثر، سارعت بالقول :
-   سمعت ابنتنا تتحدث مع إحدى صديقاتها وتقول أنها لم تنجز فرضا من فروضها المدرسية على أكمل وجه ،وأنها ستطلب من أستاذ لها أن يعيد لها الفرض، ولا يحتسب النقطة الأولى ؛لأنها عادة ما تعاني من رهاب الامتحان. كنت أغامر بصدقي وشفافيتي أمامه... أعلم أنه لابد لي من أن أسارع لابنتي عند دخولها ومحاولة إقناعها بتكرار نفس القصة لوالدها، ابتسم، أخذ يدي، كان يريد قول شيء،  لم يتمكن من ذلك.فقط طرق باب المنزل .كاد يغمى علي، لأنه وفي حينه ترك يدي وتوجه صوب الباب،كانت ابنته هي الطارق ،سارع إليها  بخطى واثقة وملامحه كلها ريبة من الوضع الذي وصلت إليه ابنته المجدة، تلك الفتاة المواظبة التي لا يقف أمام حصولها على أول نقطة بالفصل ،أي شيء مهما كان ...طبعا فهي ابنته ورثت منه كل صفاته، كانت بمثابة عدوى انتقلت إليها عن طريقه.كيف لكل هذا أن  يختفي هكذا فجاء ،من دون سابق إنذار ! كان به شك فقرر قتل شكه بالمواجهة.دوما ما أغبطه على ذلك، فأنا أفتقر للشجاعة والمواجهة دوما ما أهرب في مواقف كهذه، لو تمكنت من المواجهة لمرة واحدة في حياتي، لتمكنت من مواجهة ابنتي ومعرفة حقيقة هذا الحبيب المشترك بيننا، لكني فشلت في الأمر،وها أنا ذا اليوم، أقف كالمتهم الذي لا يدري كيف ارتكب الجريمة ولا حتى كيف وصل إلى قفص الاتهام، كنت أرى نهايتي تقترب مني ببطء مخيف، قلبي يخفق بشدة لم أشعر  بذلك الخوف الرهيب منذ ليلتي الأولى مع زوجي، شعور يمتزج فيه الخوف بالقلق بالرعب بالانهيار بالاستسلام....أذعنت للأمر وقررت هذه المرة أن أواجه وأقول ما بمهجتي وأفضي لزوجي بخيانة لم أرتكبها ، قررت أن انهي حياتي بيدي، في لحظة...اقترب منها وضمها بين ذراعيه بقوة، استغربت من رد فعله تجاهها، تساءلت عن السبب ،فرد عليها بهدوء:
   - لقد كنت أرهقك بطلباتي التي لا تنتهي ....حبيبتي كوني متفوقة ....حبيبتي كوني صبورة ...حبيبتي كوني مجدة ...وأنت كنت دوما الفتاة المطيعة..لذلك عزيزتي تأكدي أني لن أوبخك إن لم تحصلي على نقطة امتياز في فرض من فروضك...
ابتسمت ،طمأنته على دراستها وانصرفت لغرفتها بعد أن طبعت قبلة على جبيني ...بينما أنا كنت لا أزال أسبح في صدمة لم أتوقعها النجاة ...مر الأمر بسلام ، بل مر بأعجوبة،  يا إلهي كانت نهايتي وشيكة. بعد انصراف زوجي في اليوم التالي قصدت غرفة ابنتي لأواجهها بالأمر وأنتهي من كل ما يمكنه أن يهدد حياتي وحياتها.
دخلت بطريقة فظة ،لم أطرق الباب حتى:
-        من هو هذا الأستاذ الذي تحبينه وكان حبيبي بالسابق؟
بعد صمت طويل استغرقته لتستوعب سؤالي ردت بارتباك:
-        عم تتحدثين يا أمي؟لم أفهم منك شيئا؟
أجابتني باستغراب، كانت مرتابة فعلا من سؤالي...ربما اخترت العبارات الخطأ؟ أو لربما لم أرتب الكلمات كما يجب أن تكون عليه، أحسست بخجل كبير أمامها، أعدت السؤال مرة أخرى .لكن هذه المرة بحذر:
-        حبيبتي من هو هذا الشخص الذي تحبينه وتنادينه بالأستاذ؟
-  لا أحب أحدا يا أمي ، ولو كان هنالك شيء لكنت أنت أول  العارفات.أفحمتني بإجابتها، كلما تحدثت بمنطقي أحرجتني أكثر فأكثر، لم أكن أريد أن أبدو بصورة مخزية أكثر، لذلك أبعدت بعض الأوراق من على السرير الخاص بها، جلست علي أهتدي إلى جمل تفي بالغرض وتطفئ لهيب حيرتي، كاد هذا الموضوع يودي باتزاني، وأخيرا قررت نزع تلك الشوكة العالقة في حلق ،يلم يكن لي سبيل إلى ذلك، إلا بالاعتراف بأني تطفلت واطلعت على أسرارها ،وبأني وقرأت بعض كتاباتها خلسة، تشجعت واستجمعت قواي وخرج صوتي من حنجرتي متعثرا، بدأت طقطقات أصابعي تتوالى:
 - حبيبتي ،لقد انتهكت بعضا من حقوقك، واطلعت على مفكرتك، قرأت عنوانا أرقني :أحب الأستاذ حبيب أمي.من هو هذا الأستاذ يا ابنتي الذي كان حبيبا لي ،وصرت مغرمة به الآن؟صدقا  يا ابنتي لم تكن لي قصص حب مثالية، ولم أستطع تذكر أي شخص كانت تجمعني به علاقة حميمية قبل والدك .لكن ذلك العنوان استفزني ،وبذر بي بذرة شك مهولة، حتى صرت أشك بمصداقيتي وإخلاصي لوالدك ولأسرتي جمعاء، رفعت رأسي فإذا بي أجدها تتبسم ابتسامة تنم عن تفهم وافتخار، احتضنتني بشغف طفولي:
- كنت قدوتي وستظلين كذلك  يا أطهر امرأة عرفتها، يا أمي يا جوهرتي.
استغربت من ذلك الحنان المتدفق فجأة بعد تصريحي بأمر يمثل خرابا لأسرتي التي سهرت على تأسيسها الليالي الطوال
-  أنا يا عزيزتي  التي أخطأت ،الأمر ليس كما تعتقدينه، في يوم دخلت غرفتك واطلعت على بعض أغراضك ووجدت ضمنها كتابا ملفوفا بورق مقوى بعناية، أثار فضولي ففتحته، وجدت في صفحته الأولى تعليقا كتبته بخط يدك،وقلت فيه:
"أحب هذا الأستاذ بجنون ،كتاباته تبهرني وتبث في الحماس ...أتمنى أن ألقاه في يوم، ويكون لي شرف الحديث معه شخصيا"
-  وبحثت عن هذا الكاتب وتتبعت مساره وأعجبني أسلوبه كما أعجبك، وتوسعت في دراسته والتهام مؤلفاته، ولم أرد قول ذلك لك لأني عبثت بأغراضك دون إذن منك، فكتبت هذا في مفكرتي.
 كل هذا العذاب بسبب كتاب ومؤلف،كاد يغمى علي...حينها لم أتمالك نفسي وبدأت أضحك بطريقة هستيرية غير معهودة، وانخرطت معي ابنتي في الأمر،تعانقنا وانتهت قصة الأستاذ حبيب أمي التي كادت تدمر استقرار حياتي.
                  
         ـــــــ سكينة عبد اللوي علوي ــــــــــــ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

على كراسي الانتظار

على كراسي الانتظار (مجموعة قصصية) سكينة علوي آخر إصدار للكاتبة سكينة علوي بعنوان: على كراسي الانتظار تعرض المجموعة القصصية على كراسي ...