على سكة القطار أجهضت
آخر أمل للقياه، نظرت إلى عقارب ساعتها وعيناها تفيضان بالدمع، ضاق نفسها وارتعش
فؤادها حزنا، التفتت يمنة ويسرة علها تلمح شبيها له يقترب مسرعا للحاق بالقطار قبل
أن يعلن عن مغادرته، دمع عينيها منعها من الرؤية الواضحة، فتشت بحقيبتها عن مناديل
ورقية تجفف بها ما هو آيل للانسكاب على خديها، تتعثر أصابعها بأشياء كثيرة، مفاتيح
ومجموعة أقلام جافة، مفكرة متوسطة الحجم ، أحمر شفاه بلون زهري فاتح، محفظة نقود
مثقلة بأوراق نقدية وبطاقة بنكية لصيقة بأوراقها التعريفية، لا أثر للمناديل، تتجه
صوب كشك صغير امتهن صاحبه بيع الجرائد والمشروبات للمسافرين، اقتنت ما كانت بحاجته،
أخرجت منديلا، لكنها وجدت ما بعينيها قد جف، تذكرت يوم كانا يركضان خلف الحافلة
الأخيرة العائدة للسكن الجامعي، بعد أن قضيا جل المساء في التسكع بين طرقات
المدينة التي تأبى أن تلفظ آخر أنفاسها.ألفا أن يتوجها نحو بائع المكسرات في حي
شعبي أصوات باعته تختلط فيما بينها، يشتريان دراهم معدودة من الفستق وبذور عباد
الشمس، يذهبان نحو حديقة وسط المدينة. لم يكن الحظ ليحالفهما بالحصول على مقعد
بالحديقة الملأى عن آخرها يفترشان بعضا من كتبهما التي أثقلا بها كاهلهما بعد
انتهاء الحصة الدراسية، يدردشان في اللاشيء، يتعاركان أغلب الأوقات على طفل مر من
أمامهما أيها أحق بتقبيله أولا، كانا كطفلين كبيرين يمضيان الوقت سوية في فرح،
يسرقهما الوقت ليدركا أنهما على وشك تفويت آخر حافلة، هنا يبدأ النزاع عن من كان
سببا في التأخر:
-
اركضي أيتها السلحفاة .
-
تبا لك أنت الذي تؤخرنا بأكلك لبذور عباد
الشمس وتصر على إنهائها.
-
أسرعي الآن سنفوت الحافلة، أنت من ستدفعين
ثمة سيارة الأجرة.
-
أيها الطماع كيف تسمح لفتاة أن تدفع بدلا عنك؟
-
يا مجنونة أنت لست بفتاة، أنت حياتي...
تتسارع خطاها بكلامه، تتمسك بسترته لكي لا تفقده وسط
زحمة الركاب، رجال وشباب كثر بالحافلة يحدقون إليها، يدفعها برفق نحو النافذة، يقف
وكلتا يديه تحيطان بها، مانعا كل متطفل من لمسها أو الاقتراب منها، يراقبان الطريق
سويا، يصلان السكن الطلابي وقد فاتتهما وجبة العشاء، يتوجهان نحو محل بقالة بوسط
ساحة الحي الجامعي الفسيح،
-
ناولنا اثنين من عصير الليمون من الحجم
الصغير وكعكتين .
-
لا أريد عصير ليمون، أريد شيئا آخر.
-
ولِمَ لَمْ تقولي ذلك قبل أن أطلبه؟
-
وهل أخبرتني قبلا أنك ستأخذ عصير ليمون؟
-
ستشربين الليمون رغما عنك، ناولني من فضلك ما
طلبته
-
أيها اللعين، أريد عصير فراولة.
يأخذ علبتي
الليمون ويسحبها من ذراعها مفسحا المجال للطلبة المنتظرين لدورهم، يرغمها على شرب
ما اقتناه، يجلسان فوق العشب القليل المترامي بجانب غرفة الحارس، يتضاحكان بصوت
منخفض مراقبين ما يدور أمامهما من تحركات الطلبة داخل حلقية نظمت من أجل تحسين
أوضاع وخدمات المطعم الجامعي، شاب يرتدي كوفية يصرخ في غضب بقلب الحلقية:
-
أيها الطلبة والطالبات، أيعجبكم الوضع
المتردي الذي آل إليه الوضع الطلابي؟ أأنتم راضون على ما يقدم في المطعم من أغذية؟
لا أظن شخصيا أنها صالحة للاستهلاك
الآدمي، حالات تسمم كثيرة تصيب صفوف الزملاء، أطباق متسخة، لا نفتأ نجد بقايا
حشرات في الحساء وفي غيره مما يقدم... إلى متى سنظل قابعين في صمتنا لا نحرك
ساكنا، لذلك نحن نعتزم أن نقوم بخطوات تصعيدية في حالة ما رفضت الإدارة الجائرة
الاستجابة لملفنا المطلبي، لن أطيل عليكم أيها الرفاق، تحية نضالية لأوسع الجماهير
الطلابية.
تستمع باهتمام لما ذكره الطالب الغاضب، تشرب عصيرها وهي
لا تزل مشدودة البال لما يجول بالحلقية التي التف حولها الطلاب القاطنون والدخلاء
والمتجسسون، على جنبات التجمع الطلابي يكثر العشاق الذين اختلوا في أماكن متفرقة
باحثين عن لحظة خلوة، بالرغم من أن الأعين المراقبة للمحبين أكثر منها متابعة لما
يجول داخل الحلقية. يقطع انتباهها بحديثه:
-
هل أنهيت كل ما بالعلبة من عصير؟
-
ليس بعد، لم؟
-
أبدا، لقد أنهيت عصيري، لكن لم انتهي من
كعكتي بعد...
-
ألا تتعب من أكل وشرب ما يخصني؟
-
أولا تدرين أن كل ما يخصك أجده حلوا لذيذ
الطعم؟
-
أيها الكاذب، خذ اشرب عله يكون آخر شيء
تتناوله في حياتك
-
لم هل وضعت به سما؟
تتلقى جملته الساخرة بنظرة باسمة، تعلو ضحكتهما، ينظر
لهما حشد من الطلبة غير راضين على ما قاما به، فهذا يعد نوعا من الاستفزاز وعدم
احترام لأعراف "أوطم"، تعدل من وضعها كإشارة اعتذار للأعين التي
تعاتبهما علنا، تحاول أن تجلي التوتر الذي حل فجأة بسؤاله:
-
هل تتوقع أن نمنع من تناول وجباتنا بالمطعم
في حالة لم تستجب الإدارة لما يطلبونه؟
-
ومنذ متى كنت تتناولين الوجبة حتى تقلقي
بشأنها؟
-
أنا أحب وجبة الغذاء ليوم الأربعاء، ووجبة
العشاء ليوم السبت.
-
ألم تسمعي بأن الإدارة ستلغي وجبة يوم السبت،
يا مسكينة ستضيع عليك.
-
حقا !ولم لم تخبرني من قبل .
-
نسيت.
-
تنسى الأشياء المهمة، أما الأمور التي لا
فائدة فيها تظل راسخة في ذهنك
-
هل راجعت مادة الأستاذ عبد السلام؟
-
قليلا، اطلعت عليها ليلة أمس، وأنت؟
-
أبدا، أمس كنت متعبا ونمت من دون أن أغير
ملابسي حتى.
-
أتعتقد أنه ما يزال أمامنا وقت، الامتحان على
الأبواب، يجب أن تراجع كي لا تبقى لك المادة للدورة الاستدراكية.
-
أظن أني سأغش فيها.
-
أيها اللعين إن ضبطك ستحرم من الامتحان،
وستضيع علينا فرصة التخرج هذه السنة.
-
وما دخلك أنت؟ ما قصدك بستضيع علينا بدل
ستضيع علي؟
-
وهل تظن أني لن أبقى بجانبك إن أنت حرمت من
الامتحان؟ طبعا سأكون مجبرة على الانتظار سنة أخرى بجانبك.
-
عزيزتي أين قرأت هذا الكلام المعبر الحساس؟
-
أيها المنحرف كن جديا لمرة واحدة في حياتك.
تنتهي سهرتهما
بعناق خفيف أمام الملأ، ويوصلها لمدخل الطالبات، يفترقان على أمل أن يلتقيا في نفس
المكان غدا صباحا للتوجه نحو الكلية لحضور حصة دراسية، يفترق الجمع الطلابي، منتصف
الليل يأتي معلنا عن افتراق الجميع، يشرع
الحارس بدق الباب الفاصل، كل يقصد غرفته. عادت بها ذاكرتها لتلك الأيام الجميلة
التي لم يكن يمر يوم إلا وقضياه سويا، عادة ما كان يأكل ما بصحنها بقاعة المطعم الجامعي لكن الأمر كان يسعدها.
اليوم تقف بمحطة القطار منتظرة إياه، بعد ثلاثة أشهر فراق، فبعد ظهور النتائج عاد
كل منهما لمدينته، عطلة الصيف كانت أمتن من الباب الفاصل في الحي الجامعي،
انتشلتها صافرة القطار من تفكيرها في الماضي القريب، رفعت عينيها لتتأكد من عدم
حضوره، تتعثر بوجوه الركاب المتجمهرين على مسافة قريبة من السكة مهيئين أنفسهم للاندفاع
داخل المقطورات، فقدت كل أمل كامن في صدرها للقائه مرة أخرى، حملت حقيبتها وقلبها
يلعن اسمه بصمت، لم يكد القطار يلفظ آخر حركة له فوق السكة إذ براكض من بعيد
يتفادى مجموعة من حراس محطة القطار، حركة غريبة وأصوات متعالية، البعض توقف ليعاين
الحدث والبعض فضل المراقبة من شباك مقطورته، صوت لاهث يناديها:
-
عبــــير، انتظري، عبيـــــر الصادقي...
يرتعش قلبها، تنظر باستغراب، من قد يعرفها في وسط هذه الزحمة ! يقترب الصوت وكذا الحارسان
الراكضان، يصل إليها أخيرا وأنفاسه تقطعت، يمسك بركبتيه منحنيا، يرفع نظره إليها،
مخاطبا إياها:
-
عبيـــر ادفعي لهما ثمن تذكرة القطـــار .
-
ماذا يحدث بالله عليك؟
لم تكد تكمل
حديثها إلا و الحارسان يطبقان قبضتيهما على كتفيه، تفزع غير مدركة لما يحصل أمام
ناظريها، تتوتر تحاول استيعاب الموقف، يقف باستقامة بعد أن التقط أنفاسه، ويخاطها:
-
لقد سرقت محفة نقودي وكذا هاتفي وأنا قادم
إليك، ولم أجد وسيلة للوصول إليك غير اختراق باب المسافرين دون أداء ثمن التذكرة،
وعندما رأيت القطار ركضت محاولا الوصول إليك كي لا تضيعي عن ناظري لأني لمحتك من
وراء الزجاج الفاصل.
-
دائما ما تضع نفسك في مواقف محرجة.
-
ادفعي الآن، سأموت من كثرة الركض.
تحل المسألة
بهدوء، وتدفع ثمن التذكرة للمراقب بعد أن صعدا للقطار،يجلسان جنبا لجنب ويداهما متشابكتان،
فرحا باللقاء الذي كاد ألا يتحقق، لتبدأ رحلتهما نحو مدينة أخرى تجمعهما سويا، تحت
أسوار كلية أخرى طامحين لنيل شهادة جديدة بعد تلك التي حصلا عليها سالف، يحدثها
باسما:
-
أول شيء يجب أن نمتلكه هو سيارة.
-
ولم ذلك؟
-
لكي لا نظل نتأخر في ركوب الحافلات بسبب ضعف
مستواك في الركض.
تضربه على صدره بمرفقها،
يتأوه من الألم، يضمها برفق إلى قلبه ويتابعان مراقبتها للطريق وللأشجار التي
تأكلها سرعة القطار.
ــــ سكينة .عبد اللوي. علوي ــــــ
جمييييييييييييييييييييييل
ردحذفشكرا لك
حذف