القـــــــــــــاتلـــة
أعلم بأني أشكو خطبا ما، لكن
شيئا ما بداخلي
يقول لي بأن أحدا منكم قد يكون شبيها لي، يحس بما أحسه، تراوده نفس الأحلام ونفس
الكوابيس المخيفة، تلك الأمور التي لا
نقدر على الإفصاح عنها لمن يحيطون بنا، لكن لا ندري هل خوفا على أنفسنا منهم، أم
خوفا عليهم من أنفسنا. الأذية أمر لا تؤيده أي ديانة، لكن لم خلق الإنسان وبداخله
تلك النزعة المظلمة التي تجعله قادرا على الإقدام على أذية الآخرين، دون التفكير
في العواقب أو حتى دون الرجوع لما ينص عليه العرف أو القانون أو حتى مختلف الديانات؟
صحيح أني تلقنت على يدي والدي أصول الديانة المسيحية، فقد كان كل يوم يستعرض على
مسامعي ما جاء في إنجيل يوحنا، و أصحاح واحد ما يزال يتردد في آذاني إلى الآن وهو
الذي يبتدئ بالجملة التالية:"تعرفون الحق والحق يحرركم" لكن ما كان
يشغلني فعلا هو إذا كنا فعلا نعرف الحق فلماذا نقدم على ارتكاب الآثام؟
أن تتخذ ديانة واحدة، معناه
حفظ نفسك من الضياع داخل متاهات الظلام، هذا ما كان يقنعني به والدي دوما، لكن ما
الفائدة من الاحتماء بديانة لا أرضخ لقوانينها وأعرافها، الإنجيل دوما ما يتحدث عن
ما يجب فعله : لا تقتل، لا تسرق، يجب أن تُحسن للأرامل واليتامى وتساعد
الفقراء، تطيع وصايا الله وتتّقيه، تلتزم بمواعيد الصلاة، تحرص على إيفاء شهور
وأيام الصيام، خاصة الإلزامية منها. فتغتنم ساعات وأيام الصيام بالطاعة والعبادة
والاجتهاد ليلا ونهاراً، وبالسهر للصلاة والدعاء، فتمتنع عن الطعام والشراب
والشهوات في ساعات الصيام... وذات يوم سألت والدي عن سبب صيامنا فأجابني قائلا:
-
يصوم المسيحي بناء على محبته لله
ورغبته في التقرّب منه والتذلل والانكسار أمامه طاعة له، وهذا الأمر ليس حديث
العهد يا عزيزتي بل كان منذ الأزل فقد التزم شعب الله في العهد القديم بالصوم
كعلامة على تمسكهم به وتعبيرا منهم عن خضوعهم لسلطانه وتذللهم أمامه كعربون محبة وطاعة
له...ولذلك نصوم للرب من أجل أن يباركنا.
في مراحل الابتدائية كنت أصوم كرها،
فقط لأن رقابة والدي الدينية كانت تتسلط علي بشكل قوي نظرا لأني الطفلة الأولى في
العائلة والوحيدة كذلك، فما كان له إلا أن يحاول إنبات البذرة الدينية داخل صدري،
كبرت وكبر معي سخطي على كل القيود التي يمكن أن تفرض علي، لم أكن أريد أن أحرج
والدي برفضي للصلاة أو الذهاب للكنيسة كل يوم سبت، كنت أفضل أن أعتزل في غرفتي
وأستمع لأغاني "الروك" الصاخبة، في مرحلة الثانوية، قصصت شعري وغيرت
لونه الفاتح إلى لون أسود قاتم، اللون الأسود كان لصيقا بأغلب ملابسي، لم أدر سبب
تعلقي بهذا اللون دون غيره، ربما لأني لم
أترعرع في كنف امرأة، فقد توفيت والدتي وهي تضعني بالمشفى الحكومي، فلو كانت لربما
أحببت اللون الزهري، والأرجواني وغيره من الألوان التي تشكل هاجسا للفتيات ...أحيانا
أشعر وكأني فأل سيء، فلو لم أولد في هذه الأسرة، لما كانت قد ماتت تلك المرأة التي
لم أعرفها إلا من خلال الصور، وبعض ما كانت تدونه في دفتر الوصفات المنزلية، أطباق
كثيرة لم تعد حاضرة لتجربتها، عشت في ذلك المنزل الفسيح وحيدة مع والدي الذي بدأ
صبره ينفذ من جراء عدم مضاجعته لامرأة غير والدتي، كنت أعلم أنه يحتاج لامرأة تدفئ
فراشه ليلا بينما أنا أراجع دروسي وأنهي واجباتي المدرسية، لكنه كان يحاول إخفاء
الأمر ويوجه غضبه نحوي بشكل من الأشكال، يؤنبني على تأخري بالعودة للبيت ليلا،
يوبخني على الطريقة التي أسرح بها شعري، أو الملابس التي أرتديها...بدأ الجانب
المظلم في داخلي يكبر رويدا رويدا،صوت بداخلي يتحدث، يلقي إلي بأفكار شيطانية لا
أدري مصدرها، ابتدأت هذه لأفكار الشريرة بإحراقي لكل الصور الخاصة بوالدتي، لم أجد شيئا
ذا بال يربطني بهذه المرأة التي رحلت للسماء، بالرغم من أنها كانت تتلو صلواتها،
وتتوجه للكنيسة للاعتراف.دخلت المطبخ ليلتها، وأضرمت في مغسلة الأواني لهيبا من
النيران المتصاعدة في كل الصور الموجودة بالبيت، شعرت وأنا أراقب النيران الملتهبة
بأني أنظر بكره وحقد لا أدري من أين ينبعثان، لم أحس ولو بذرة تأنيب أو حزن، فتحت
علبة بيرة باردة وشربت نخبا، لم يلتزم ذلك الصوت بالصمت بعد هذا بل ألقى إلي
بأشياء كثيرة، بعضها وجدتها سهلة التحقق، كأن لا أعود ليلا إلى البيت، أو أن أختفي
عن الأنظار لثلاثة أيام أو أكثر، صحيح أن والدي كان يتذمر مع الوقت أكثر، يجبرني
على الالتزام بقانون البيت، وأن أقوم بواجباتي كما يجب لأنه ببساطة غير قادر على
تحمل تصرفاتي الغريبة...في ليلة وأنا مستلقية على سريري، أشاهد فلما به من مشاهد العري
ما يناهز سبعين في المائة من مجمل مشاهده، حدثني صوت بداخلي:
-
ماذا لو
ضاجعت والدك؟ أليس بحاجة لامرأة؟ ألا تستطيعين أن تكوني امرأة؟
انتفضت فزعة من نفسي، وجهت ضربات
متكررة لوجهي، كمن يحاول الاستيقاظ من كابوس مزعج، شعرت في لحظة بالغثيان، وبأني
على وشك أن أفرغ ما بأحشائي، ركضت للحمام، غسلت وجهي ووضعت جسدي بما عليه من ملابس
تحت رشاش المياه الباردة، أدركت بأن بداخلي شيئا قبيحا، يحاول الخروج للعلن بأي شكل
من الأشكال، جففت نفسي وغيرت ملابسي، واتجهت للمطبخ لأهيئ كوبا من الكاكاو الساخن،
علها ترخي أعصابي، قبل أن أنزل الدرج
توجهت لغرفة والدي، كان الباب مشرعا قليلا يسمح برؤية سريره، استرقت السمع علي
أهتدي لصوت يخرج من الغرفة، لاشيء يسمع إطلاقا، اقتربت أكثر، لمحته مستلقيا بدون حراك و كأنه ميت، فتحت الباب أكثر بحذر
بالغ، وأنا أخطو نحوه، إحساس قوي بداخلي دفعني للتفكير بأن أكتم أنفاسه المنتظمة
بالوسادة، اقتربت منه بشكل كبير لدرجة أني صرت أسمع صوت تنفسه، نظرت إليه بحقد
بالغ لا أدري سببه. شعر غزته خصلات بيضاء، شفتين ساكنتين، تحيط بهما لحية
خفيفة...سألت نفسي ماذا سأفعل بالجثة بعد أن أخنقه، فكرت بدفه في الفناء، أو
بتقطيعه بمنشار مخبأ في مرآب البيت، أدركت أن عملية دفنه بالفناء أمر يشكل خطورة
بالغة، فالجيران بمقدورهم رؤيتي من نوافذهم، كما أني بحاجة إلى فأس ومعول،
وسيستغرق مني الأمر مدة طويلة قبل أن تتصاعد رائحة الجثة النتنة، ثم عدت لإمكانية
تقطيعه إربا، سيتطلب مني نقله للحمام وجلب أكياس بلاستيكية كبيرة ووضع كل جزء في
كيس، رأيت أن أقسمه إلى أربعة أجزاء، فهو لا يتوفر على بنية جسمانية ضخمة، بمقدوري
حمل كل كيس على حدى والتوجه به إلى حاوية القمامة، لكن الأمر سينكشف بسرعة بعد أن
تأتي شاحنة النفايات صباحا، يجدر بي التوجه إلى مكان أبعد من هذا، بل يجب التخلص
من القطع بشكل ذكي كأن أطعمها لحيوان ما أو شيء من هذا القبيل، ماذا لو سلمت لحمه
لمطعم من المطاعم التي لا تدقق في جودة اللحوم، سيكون بإمكان الزبائن تجريب طبق
بلحم آدمي، لكن كيف يمكنني جعل لحمه
مشابها للحم حيوان؟ وجدت الفكرة غير مرضية، وفجأة تذكرت البحر، سأستقل سيارة
أجرة وألقي كل يوم بكيس في عرض البحر، لكن
يتوجب علي إيجاد قارب، قبل أن أنهي تخطيطي فتح عينيه :
-
ألم تنامي
بعد؟ هل من خطب؟
-
أبدا، كنت
مارة للمطبخ، وسمعت صوتا بالغرفة ودخلت لأطمئن عليك.
-
كنت أحلم، هل
صوت شخيري مزعج لهذه الدرجة؟
-
لا عليك، نم
بعمق ولا تكترث لشيء، نم وارتح.
-
شكرا حبيبتي،
أغلقي الباب عند خروجك.
-
سأفعل، سأفعل
أبي.
فشلت مخططات ما كنت سأقدم على فعله، اشتعلت غضبا وخرجت بعد أن أغلقت الباب،
وأنا بالمطبخ فكرت أن أضرم النار عند عتبة غرفته، لكن الحريق قد يشب في البيت كله،
لم أعرف كيف يمكنني أن أقتلته وأتخلص منه، أو حتى التخلص من هذه الأفكار الفظيعة،
أعددت كوبا من الكاكاو، تناولت البعض منه وتركته جانبا دون أن ترتخي أعصابي ولو
قليلا، وأنا عائدة لغرفتي ظل هاجس القتل يحوم حولي، حاولت التفكير بشيء آخر يجلي
عني هذا الشبح ،تذكرت حينها صديقة لي في الثانوية، كانت لطيفة وديعة، كانت تزورني
أحيانا، لكن مؤخرا انقطعت عني أخبارها، ترى ماذا حل بها وأين هي الآن؟ فكرت بأن
أتصل بها كي تزورني أو أن نرتب موعدا لنخرج سوية، عزمت على فعل ذلك صباح الغد نظرا
لتأخر الوقت حينها، استلقيت على سريري فداهمني النوم بعد وقت قليل، فقد كان فكري
مرهقا بالتخطيط للقتل، عندما استيقظت صباحا، حاولت استرجاع تفاصيل الحلم الذي
راودني ليلا، صديقتي بفستان أحمر مكشوف الصدر واليدين، ترقص وسط جمهور غفير، أتقدم
إليها محيية إياها، تنظر إلي باحتقار تدفعني بعيدا عنها، أثور غضبا، أخرج سكينا من
جيب سترتي الجلدية السوداء، أطعنها عدة مرات يفور دمها، يصطبغ الفستان بلون أحمر
قاتم، أحاول الهرب أياد كثيرة تحيط بي
تحاول إمساكي، أقطع بالسكين كل من اعترض طريقي، وصلت للباب المؤدي للخارج التفتت
وجدت ورائي مجزرة من أناس لا أعرفهم، ضحكت بطريقة شريرة...رأسي يكاد ينفجر ألما
بسبب هذا الكابوس الفظيع، أخذت حماما ولبست سترتي الجلدية السوداء ، واتجهت لبيت
صديقتي علي أجدها، وصلت بعد فترة وجيزة لبيتها، دق الجرس، بعد لحظة خرجت والدتها
ألقيت عليها التحية وسألتها عن ابنتها، دعتني للدخول، أخبرتني أنها بصدد تهيئ حفل
عيد مولدها، شكرتها ودخلت بفرح، أول ما وقعت عليه عيني كانت صديقتي بفستان أحمر
مكشوف الصدر واليدين، نظرت باندهاش إليها، تذكرت الحلم الذي راودني أمس، نفس الفستان،
نفس الشكل ...أدركت أني إن أنا خطوت نحوها فقد أقدم على جريمة ما، تراجعت للوراء
بخطى متسارعة، خرجت راكضة عائدة نحو غرفتي. يبدو أن بداخلي قاتلة تطوق للظهورعلنا.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق