كلما اضطرت للابتسام في وجه أحدهم، كانت تقدم على نتف شعرة
من بين الشعيرات المنتشر على ساعديها، كان غريبا بالنسبة لها أن تضطر للابتسام
أكثر من مرة في اليوم لأشخاص لم تكن لتستلطفهم ولو بقيت آلاف السنين، والأغرب أنها مهما حاولت نزع شعيرات ساعدها مرارا في
اليوم، إلا أن تلك الشعيرات اللعينة تأبى أن تختفي، رؤى امرأة بلغت عقدها الثالث
دون أن تشعر بالخوف من بقائها بدون زوج، كانت أكيدة أن الزواج خلق للغبيات اللائي
لا يملكن هدفا في حياتهن،و بالأخص اللائي يملكن سيقانا جميلة وأقداما تستطيع أن
تشعر بآلام الكعب العالي، أما هي فكانت ترى أن لها هدفا بعيدا عن الأقدام والسيقان
والكعوب العالية،هدفها كان بيع كل الكتب
في ذلك المحل المشبع بالصناديق المستوردة الملأى بالمجلات العالمية الدورية
والشهرية و الكتب المترجمة والمكتوبة بلغة ثانية وثالثة ورابعة... رؤى التي اختارت
أن تعاقب نفسها على كل مرة ابتسمت فيها نفاقا لشخص لا تحبه بنزع شعيرات ساعديها،
اقترنت رؤى بمحلها التجاري الذي اكترته من مال التأمين الذي حصلت عليه من جراء
حادث سيارة دهستها وهي تعبر الشارع العام، كانت يومها شاردة الذهن بسبب الانتخابات
المحلية، التي سيشارك فيها خالها اللعين كما
تسميه، كانت مدركة أن أكثر شخص خطر على هذه البشرية هو خالها، بل هو أخطر من
الشيطان نفسه.
رؤى اسم اختاره
لها صديق الأسرة الغني الذي يدعم اليوم
خالها اللعين في الانتخابات، كانت تكره الازدحام والاشارات الضوئية أكثر مما تكره
هذا الرجل الغني ذو الكرش المنتفخة كبطيخ أحمر صيفا، كان كلما جاء لزيارتهم يطبع
قبلة شنعاء على خدها ويترك بقايا لعابه فوق مسام بشرتها، كان هذا سبا مقنعا يجعلها
تكره اسمها. وبينما هي تسبح في غياهب تفكيرها إذ بسيارة رجل عجوز تحصد قدميها من
على الرصيف الذي كان مخصصا للراجلين قبل أن يصبح محجوزا لاستلقاء فتاة في العشرين
من عمرها دهستها سيارة عجوز بريطاني الجنسية والنشأة، بعد استفاقتها في المستشفى
على إثر عويل والدها، أدركت أنها غير قادرة على تحريك قدميها، "ماهذه اللعنة
الشريرة التي حلت بي " قالت ذلك وعيناها تفيضان دمعا، فكرت بصوت عال كيف يمكنها
أن تركض للحافلة وهي تقلع تجاه الجامعة بعد أن تأخرت ساعة زمن عن الحصص الصباحية،
تساءلت كيف ستنهي سنتها الأخيرة بالجامعة؟، ازداد عويل والدها وأنينه الصاخب على
غير عادته، أغمضت عيناها على أمل أن تستفيق من واقع ظنته حلما مزعجا بسبب عشاء متخم
بالزيوت والدسم...
-
رؤى ماذا تريدين أن تكوني عليه في المستقبل؟
سألها حبيبها حسام ذو الخمسة والعشرين من عمره
-
أريد أن أكون أنا.
-
هيا بدون فلسفة، إذا قلتي لي أنك تريدين أن
تكوني رياضية لن أستغرب.
-
ولماذا رياضية يا أبو لحية؟
-
أنت سريعة في الركض، ولكن لسانك أسرع من
قدميك.
-
في الحقيقة لساني ليس طويلا بقدر وعودك لي
بالتقدم لأبي للتحدث في موضوع الزواج.
-
هل تشربين عصيرا أم قهوة؟
-
أريد سُمَّا بطعم الليمون .
رؤى، نعم أنا رؤى ذات الكرسي المتحرك الذي غيرت دواليبه
مسار حياتي، رؤى التي تكتب لك اليوم هذه الرسالة المتخمة بالحنين لأشياء لم تقع
بعد، أتذكر؟ أتذكر فيلمنا الأول، بسينما النجوم، يوم كانت تمطر؟ أتذكر موضوع الفيلم؟ لا ... ولا حتى عنوانه؟ لا
أظن ذلك فأنا أيضا لا أتذكره، نعم لا أتذكر كيف ابتدأ الفيلم بلقطة مضحكة عن رجل
وسيم ينتف شعر أنفه داخل حمام قذر نوعا ما، ولا أتذكر أنك يومها قلت لي : الحمد
لله أن الروائح لا تصل مع الصوت والصورة، لا أتذكر أنك أمسكت بيدي أول ما أطفأت
الأنوار وأغلقت الأبواب، وأنك همست في أذني: رؤى سأقبلك اليوم قبل انتهاء الفيلم
سبع مرات ونصف، ولا أتذكر أني سألتك:
-
لماذا سبع مرات ونصف.؟
-
لأن سبعة عدد مقدس، وأنا في الحقيقة شخص
متدين.
-
ولماذا النصف ياشاطر؟
-
لكي لا أشبه قُبَلِي لك بما هو مقدس، أضفت نصفا،
لكي لا يغضب الملتحون.
-
مجنون، كن على يقين أنك لن تأخذ مني حتى نصف
قبلة.
لا أتذكر أنك قبلتني حينها قبل أن أنهي كلامي، في
الحقيقة أنا لا أتذكر كل هذا، أو قل أحاول جاهدة ألا أتذكر، أحاول أن أنسى أنك
حسام من تهت معه بجنون تحت أمطار مدينة لا تنصف العزاب بقدر ما تبتسم في وجه
المحبين والمتسكعين الباحثين عن قبل على مرامي ضفاف وادي أبي رقراق أو بين رمال
وصخور شاطئ العدوتين، الرباط وسلا، حسام اكتب لك اليوم أنا رؤى التي تنبأت لها أن تكون
رياضية واعدة لركضها السريع، أنا اليوم مقيدة بين دولابين متحركين، غير قادرة على
تغيير طلاء أظافر قدمي، ولا حتى ترطيبهما بعد حمام دافئ، أشتهي الرقص بكعب عال،
وأريده أن يكون حذاء أصفر براق، لماذا
أصفر؟ لأني أشتهي أكل البطاطس المقلية على كراسي أبي رقراق برفقتك، نعم ،قلها. قل
أن هذه المجنونة اشتاقت لأيامنا معا، وتحن إلى حواراتنا العميقة حول ما الألذ
الموز أم التوت، الشاي أم القهوة الخبز أم الرغيف الكعك أم الفستق...كنا نأكل أكثر
مما نتحدث، جربنا الكثير من الأطعمة
اللذيذة والسيئة المذاق الغريبة والفظيعة، أتذكر أكلك للحلزون أول مرة؟ يا إلهي لا
أستطيع نسيان تعابير وجهك، كطفل يتجرع الدواء خائف وقلق وتكاد الدمعة تترقرق من
عينيه، كنت طفلا جميلا وديعا يومها، لن أخفيك أني اشتهيت تقبيلك أمام البائع
والمارة، إلا أني أدركت أن القبلة أمام الملأ تكون بدون طعم، ما أجملها وهي بين
شفتينا تأخذ وقتا طويلا بعيدا عن الأعين والأصوات
والأضواء، صدقني الاختلاء بالحبيب
إبحار نحو السعادة.
سعادة لم تكتمل بسبب كرسي اختارني ما اخترته، بسبب قدر
بحث عني دون أن أسأل عنه، حسام، لا أعرف ما الذي يجلني أصر على الكتابة لك، وعلى
تذكيرك بكل هذه الأكوام من الثغثغات، لكني رأيت اليوم في محل بيع الكتب خاصتي شخصا
يشبهك إلى درجة لا تصدق، ظننت في البداية أنك أنت، لا تستطيع أن تتخيل حجم بؤبؤ عيني كم اتسع، وضربات قلبي كم تسارعت،
ورعشة يدي كم كانت تتقد، ما كل هذا الجنون الذي حل بي فجأة لرؤية شخص قد يكون أنت
وقد لا يكون؟ إنه الحنين يا صديقي، حنين لشيء لم يحصل، حنين بأن نجلس في غرفتنا
معا ونحن نشاهد فيلما مخيفا مرعبا عن كائنات خضراء تغزو الأرض وأنا أخبئ وجهي
بحضنك، وعن الشخص الذي سيطفئ النور قبل النوم، ومن سيستيقظ أولا للدخول للحمام...
أصابني ذلك الحنين لأخذ حمامنا الصباحي
قبل المغادرة للعمل، وحنين لمن سيغفو على ذراع الآخر أولا مساء بعد يوم متعب؟ أصابتني حمى من الحنين لمستقبل لن يتحقق، ليس لأني لا
أريدك، أو لأنك لا تريدني، لا أبدا يا عزيزي، إنما أنا قد فقدت نفسي وأحلامي
وسعادتي بفقداني للإحساس بأطراف قدمي، فلكي أكون في حياتك أحتاج لأقدامي، وهذا أمر
قد حسم فيه القدر مسبقا، وجعل بيني وبينك مسافات لست قادرة على قطعها بعجلتي كرسي
متحرك.شكرا لوقتك في قراءة هذه الرسالة ، أرجوك بخير مع كامل الحنين والمحبة ،رؤى.
لم يعد هناك وقت اليوم لشراء ظرف وطابع بريدي لإرسال رسالة،
بل حتى لم يعد للشخص مكان واحد ليكون له عنوان تتسارع الرسائل والطرود لصندوقه،
ضغطت على زر الإرسال وانطلقت الرسالة بالبريد الإلكتروني. لم تكن رؤى تنتظر ردا من
حسام بقدر ما كانت متلهفة لاستقبال طرد من اسبانيا به مجموعة من المؤلفات الجديدة
تحت الطلب، الكتب هي مخدرات يصعب التعاطي لها، ولكن يسهل التخلي عنها، هي مثل شتلة
صغيرة تحتاج وقتا وعناية وشمسا وهواء لتكبروتنمو ولكي تموت تحتاج فقط لضربة مقص
لتنتهي حياتها، كذلك حب الكتب.
كانت رؤى تؤمن
إيمانا شديدا أن المرأة كلما قرأت كلما ارتفعت درجة في الحياة، كيف لا وهي غير
قادرة على ارتقاء درج بيتها لولى مساعدة والدها، بعد يومين من ترتيب المؤلفات
والروايات الجديدة بالرفوف وتدوين أسماء وعناوين الكتب بالحاسوب، جاء وقت الاطلاع
على البريد الإلكتروني للتأكد من الفواتير المدفوعة إلكترونيا، فتحت بريدها غير
متوقعة أنها ستجد رسالة من حسام، بحثت بإطلالة سريعة، لتجد بريدا مبعوثا من طرف
مطبعة بريطانية تريد عقد علاقات تعاون في
نشر الكتب وبيعها من طرف محلها الذي صار قبلة لجملة من المثقفين اليوم، أرسلت ردا
بالإيجاب، أغلقت حاسوبها وقلبها الذي حاولت أن تعيد له الحياة من خلال العثور على
رد لحسام.... لكن الكرسي المتحرك أقوى من الحب.
في نظرها الكتاب أقوى من العجلات....رؤى تبيع الكتب ولا
تبيع الابتسامة معها، الكتب هي الشيء
الوحيد الذي ينسيها أنها غير قادرة على
الرقص والركض، وعلى قذف كرة طفل تتحرش بها وهي تمر بزقاق عائدة من الجامعة،رؤى لم
تكن يوما ترفض الزواج ولا حتى الحب، لكن
الزواج بالحبيب يقتضي أن تكون لها أقدام تشعر بآلام حذاء بكعب عال.

رااائع
ردحذفشكرااا لك
حذفرائعة في السرد ودقة في ترتيب الأحداث .وثبت خير جليس في الأنام هو الكتاب ، فهو خير صديق يستفيد منه وينهل من بحر علمه.وهذا الصديق موجود في مكان واحدة وهي المكتبة وهو خير جليس للإنسان ويمكن يقضي معه اجمل وأطيب الاوقات . الكتاب خير جليس في الزمان ، فكشفت من رؤى الكتاب افضل من الحبيب . قضيت وقتا ممتعا مع هذه الحروف والكلمات والجمل الرائعة التى تجذب القارئ للعودة للقراءة عدة مرات
ردحذفتحياتي
علي
شكرا لهذه القراءة البهية التي تثلج صدري وتجعلني اسعد بنفسي لان لي قراء يترددون على ما اكتبه،شكرا لاناملك التي خطت هذا التحفيز لكلماتي وجملي البسيطة التي لا تكاد تميط عنها لثام الخجل والحبو
ردحذفمودتي