الجمعة، 19 فبراير 2016

هو ليس لي



حملقت في سقف غرفة فندق وضيع، ورائحة دخان سجائر آخر زبون لم تنجل بعد من الستائر الباهتة والآيلة للتمزق جراء حركة يد بسيطة، لم أعرف في أي الأمور يجب أن أفكر، تراكمت أمام ناظري مختلف الأحداث الصاخبة التي يعج بها رأسي، أنظر لحقيبة ملابسي التي لملمتها على عجل من أمري إبان هروبي من البيت، لم أعرف إلى أين سأتجه بها في ليلة باردة كهذه، الفندق أرحم من المبيت على مقعد من مقاعد محطة الحافلات التي تعج بالتائهين والسكارى. أن أقدم على الهرب أمر به من الحمق الشيء الكثير، فكيف لي أن أعثر على طريق يوصلني لبر الأمان من دون خسائر؟ وكيف سأرتب كل هذه الفوضى التي قمت بها؟ لم أكن لأفكر يوما بأني سأقدم على فعل كهذا، أن أخطط للهرب مع حبيب سيكون أمرا مألوفا اعتادت عليه الأسماع، لكن  أن أهرب من دمار تسببت به فهذا كان أمرا مستبعدا، ما الذي سأفعله في حضن هذا الليل الطويل؟ لربما سأنهال على وسادة مغبرة بالدموع وسألطم على وجنتي إلى أن يعلن الصباح عن نفسه بضياء يخترق زجاج نافذة تطل على منظر لا يغري بالتقاط صورة للذكرى حتى.
خرجت بعد ليلة مضنية لشوارع مدينة سأغادرها بعد سويعات قليلة،  اقتنيت تذكرة سفر لمدينة تبعد آلاف الكيلومترات عن حياتي الاعتيادية، تمنيت لو أني بطلة بمسلسل درامي، لكنت حلقت بطائرة، وحططت الرحال بعاصمة أوربية، أو حتى آسيوية، لكني لست بطلة في شيء سوى في ارتكاب المصائب. الآن لا أملك إلا أن أختبئ في مدينة ما بها شوارع تختلف عن التي ترعرعت بها، وتجمع أناسا لا علم لي بهوياتهم ولا بحكاياتهم الخفية. صعدت الحافلة وأنا أراقب بحرص وجوه المسافرين المثقلين بحقائب وهموم متفاوتة، خشية أن يتعرف علي أحد منهم، دسست وجهي بجريدة وجدتها بأول كشك لصيق بمحطة المسافرين، لم أتأكد من تاريخها، فقط أخذتها بلهفة مجرم حريص على الاختباء من مطارديه، طأطأت رأسي منتظرة إعلان السائق عن المغادرة، جلست بجانبي امرأة عجوز، بعض الشعر الأبيض يطل من تحت غطاء رأس بني داكن، تجاعيد متناثرة هنا وهناك، عينان جاحظتان يملؤهما الحزن، رائحتها كعشب بري، لم أستطع تمييزه، بدا وكأنه عطر إكليل جبل بري، أعلنت الحافلة عن المغادرة، اهتز المحرك بصخب وتحركت العجلات على مهل إلى أن استقام هيكل الحافلة الملأى بروائح تكاد تصل للنتانة، اختلست النظر للعجوز القابعة بجانبي، كنت موقنة من أنها من النوع الثرثار الذي لن يسكت عن الحديث إلا إذا تظاهرت بالنوم، لذلك سأتوقع انفجار سيل حديثها في أي لحظة، مرت ساعة والعجوز لم تنبس ببنت شفة، أتحرك وأعدل من جلستي مرارا، ولا تحرك حتى جفنيها تجاهي،أقلب الصحيفة وأقلبها من أجل إصدار ضجيج مفتعل، لكن العجوز كانت تسبح في عالم لم أدركه، وكأنها كانت تقيم صلاة وتحدث آلهة مرئيين، صرت أرغب بشدة أن أسمع كلمة من طرف هذه المرأة الهادئة، لعلها تعاني إعاقة ما؟ سألت نفسي مرارا ولا إجابة شافية تطفئ لهيب فضولي، لم أعتد على صمت من بجواري، ينذرني هذا بكارثة قادمة لا محالة، وكلما سارعت للحديث كلما كان أسلم، قررت أن آخذ مبادرة الحديث فنظرت إليها سائلة:

-        أمازالت أمامنا مسافة طويلة لنصل ؟
لم تتحرك مقلتاها، ظلت مشدوهة البال للمقعد الذي أمامها، وكأنها ترى أشباحا راقصة، كمن يقوم برقصة صوفية  لا حركة بها، الأمر أشبه "باليوغا"، فشلت أول مبادرة لي، زحزحتها قليلا معيدة نفس السؤال:

-         عفوا سيدتي، أمازالت أمامنا مسافة طويلة لنصل ؟

-         هلا اتصلت بابني لتعلميه بقدومي؟

نظرت إليها باستغراب ، ما هذا الجواب؟أجبت بابتسامة باردة:

-        حسنا، أعطني الرقم.

-        إنه مسجل بورقة،

-        أعطني الورقة إذن.
بدأت تفتش ملابسها، لتخرج بعد بحث مطول، ورقة صفراء مغبرة، تملؤها الطيات حتى كادت الأرقام تختفي من على ظهرها، سلمتها لي بحرص شديد، كمن يهب عينيه لطفل، أخذت الورقة بعصبية طفيفة، أخرجت هاتفي الذي غيرت شريحته كي لا يستطيع أحد من معارفي الوصول إلي، ركبت الأرقام، وانتظرت الرد في الجهة المقابلة، أجابتني المتحدثة الآلية، بأن الرقم غير موجود، استغربت من الأمر، وأعدت التأكد من الأرقام المدونة على الورقة، إنها نفس الأرقام ونفس الترتيب، فما الخطأ إذن؟ نظرت إلي المرأة بدهشة، تنتظر مني إجابة:

-        ألا يجيب؟ ربما يكون نائما.
لم أعرف ما الذي يفترض بي أن أقوله، لكني لم أجب وأعدت تركيب الأرقام من جديد، لكن نفس النتيجة تكررت،أطفأت الهاتف وأعدت تشغيله، ظنا مني أن المشكل قد يكون بالشبكة، لكن الأمر يعيد نفسه:

-        هذا الرقم غير موجود، المرجو التأكد من رقم مخاطبكم.
نظرت إليها رافعة حاجبي الأيسر، والتوتر يملأ فمي، غير قادرة على إفشاء ما بجعبتي، استجمعت قواي وحدثتها:
-        هل أنت متأكدة من أن هذه هي الورقة الصحيحة التي دون فيها ابنك رقم هاتفه؟

-        أجل لقد دونها بنفسه.لماذا؟ ألا يجيب؟

-        هذا الرقم غير موجود أصلا، فكيف له أن يجيب؟
سكتت تفكر قليلا، دارت بعينيها الغائرتين نصف دورة في الهواء، وضعت يدها على صدرها، كمن تفتش عن ورقة أخرى، لم أعرف ما الذي يفترض بي أن أفعله، سألتها:

-        إلى أين تتجهين؟
لم أتلق ردا منها، ظلت شاردة تفكر وتتنفس بهدوء مرعب، ما الذي يدور بخلد هذه المرأة؟أعدت سؤالها:

-        يمكنني إيصالك إلى حيث تودين.
نظرت إلي بحب وطمأنينة، ذكرتني نظرتها بوجه أمي قبل موتها، تلك النظرة المفعمة بالمشاعر الطيبة وهي تودعني من على فراش الموت،عينان تفيضان دمعا من كثرة الأسى، ما بال هذه المرأة تذكرني بأوجاعي؟

-        هل تعرفين أين يقيم ولدي؟
سؤال تلقيته كالصاعقة، عم تتحدث هذه المرأة؟ أهي بهذا الغباء الكبير، أم أنها تستغبي نفسها؟ كيف لي أن أعرف ابنها وما أنا إلا غريبة جمعتنا قدرة السفر في مقعدين متجاورين من حافلة أقلعت وابتعدت أميالا عن المدينة التي خربت بها حياتي بيدي:
-        سيدتي، هل تمزحين؟ كيف لي أن أعرف ابنك؟ وأي مدينة تقصدين؟

-        لا أعلم،

-         كيف لا تعلمين ،أأنت جادة بكلامك؟
بدت المرأة فعلا أنها لا تعلم إلى أين تتجه، اعتلت الصفرة وجهها، بدت كإنسان يحتضر خوفا، ما الذي تفكر به؟ أيعقل أنها تعاني خللا نفسيا؟ كيف استطاعت أن تستقل الحافلة إن كانت كذلك؟تذكرت جدتي التي كانت تعاني من مرض "الزهايمر"، كانت تخرج من الباب الخلفي للبيت لتضيع وسط أشجار الزيتون المنتشرة بالحديقة، فكانت تجهش بالبكاء، ظانة أنها وسط غابة وأن الذئاب ستنهش جسدها كما فعلت بشقيقها عندما كانت صغيرة السن، آه يا جدتي كم كنت أتألم  عندما أحدثك ولا تعرفين من أنا، هذه المرأة آلمتني من جديد، نسيت كل تلك الهموم المتراكمة بفكري، لم أعد أفكر في شيء إلا في كيفية تذكر هذه المرأة الجالسة بجانبي والتي مسحت ذاكرتها كسبورة مكتوبة بطبشور،هل يفترض بي أن أعود بها لحيث صعدت؟ لربما تكون قد خرجت على حين غفلة من أهلها؟ إن عدت فسأظل متابعة لأني دمرت أسرة بسبب طيشي، وبسبب خصلة حب الامتلاك التي تسكنني، كيف لي أن أحب رجلا متزوجا؟ ما الذي كنت أفكر به حينما ذهبت لبيته لأطالب بحقي فيه؟ وكيف لي أن أنسى بكاء طفلتيه وصدمة  زوجته، وهي تتلقى تعاليقي كالصاعقة؟ كنت كالمجنونة التي أعماها الحب، تركت كل شيء لأكون معه، وهو تركني ليكون مع كل الأشياء التي رتبها في حياته،تخليت عن أبي ، تركت أحلامي المستقبلية بأن أصبح مهندسة معمارية ترسم النماذج لتصير معالم يذكرها التاريخ بعد فترة، ما الذي جنيت من الحب، إلا الخراب لي وله ولكل من يحيطون بي ! التقيت به صدفة، بمحل بقالة، كنت مستعجلة جدا لأخذ مقتنياتي، فاحتج على تصرفي اللامبالي- وليته لم يفعل – وجدته رجلا عصبيا، لم أتردد في الاعتذار، نظر إلي بازدراء ،وغادر من دون أن ينبس ببنت شفة،كدت أموت غيظا، بقي عالقا ببالي لفترة طويلة، لماذا استوطن عقلي الباطني بهذا الشكل المهول من أول لقاء دبرته الصدف؟ كان لقاء  باردا جافا لا حياة به بل لا يعقل أن يتذكره هو، من يومها بدأت لقاءاتنا تتوالى صدفة عند محل البقالة الذي أقتني منه مشتريات البيت الضرورية، اختلقت الأعذار للحديث معه، تعارفنا وبدأت روح التواصل تسري بيننا، أحببته بكل تفاصيله، بنظرته الغاضبة، وببسمته الأخاذة، كنت أحب جديته وصراخه، وطرائفه التي لم تكن لتضحك أحدا غيري، أحببته بهوس جعلني أريده لي وحدي، في يوم أخبرته أني أريده، وأني لا أستطيع العيش بدونه، ابتسم بوجهي، ورد ببرود:

-        لكني متزوج ولي طفلتين.

-        لكني أحبك وأريدك، ولا يهمني أن تكون كذلك.
-        كيف لا يهمك؟ ما الذي سيحدث لأسرتي التي سهرت على بنائها طيلة هذه السنين؟

-        ما كان عليك إذن أن  تجعلني أحبك.
-        أنا لم أفرض عليك ذلك، أنت أردت أن تقعي بحبي بمحض إرادتك.
قلت بعدها اتصالاته، وصار لقاؤه أمرا مستحيلا، أتصل به ولا يجيب، أحاول لقاءه فيتجنبني، صرت كالمهووسة، لا تدرك شيئا، أحلم به ليل نهار،أغار عليه من زوجته وأطفاله، أجهش بالبكاء على أبسط الأشياء، كنت كمراهقة تذوق طعم الحب لأول مرة، يحدثني أبي عن الزواج من خالد، فأنفجر غاضبة بوجهه، لم أعد أطيق الرجال، صرت أراه في اليقظة والمنام ،قررت أن أواجهه، اتصلت به مرارا لكنه لا يجيب، قصدت بيته، طرقت الباب وأنا أشتاط غضبا وغيرة، فتح الباب وهو يحمل ابنته الصغيرة على ذراعه، حملق في وجهي بدهشة وفزع:

-        ما الذي تفعلينه؟

-        أريدك، ولن أستطيع تحمل هذا الأمر أكثر.

-        ما الذي تقولينه؟ اذهبي للبيت وسأتصل بك فيما بعد.

-        لن أغادر المكان قبل أن تذهب برفقتي.
خرجت زوجته فزعة، نظرت لكلينا مستغربة، توجهت بالسؤال له:

-        من هي؟ وماذا تريد؟.

-         ادخلي وخذي الطفلة معك

-        ما الذي يحدث ؟ وماذا تريده هذه المرأة؟

-         أنا حبيبته التي يلهو معها بينما أنت ترعين له أطفاله.
شعرت بألم على خدي، كانت يده قد صفعتني لتسكتني، أحسست بوجع بقلبي أكثر، انهرت بالبكاء أمام أعين المارة والجيران الفضوليين، دخل مغلقا باب بيت الزوجية وراءه، تركني ملقاة على الرصيف، أبكي وأصرخ، أتمزق وجعا، كلما صرخت إلا وازداد حقدي على العالم  بقلبي اتساعا، بكيت بشدة، اخترقني وجع مميت، لم أعد أسمع أو أحس بشيء، طرقت باب بيته بجنون، كان ينهرني من خلف الباب ويتوعدني بطلب الشرطة، هذا أسوأ شيء قد يقع لشخص وقع بالحب، ركضت إلى حيث لا أدري، اختفيت عن الأنظار التي كانت تراقبني، سقط قلبي عند عتبة بابه، لم أدرك أن الحب لا يعيش بنفس واحد، كنت أنا من بنيت قصرا عاجيا، وخبأت به حبيبي كملك نصبته على العرش، لكنه ألقى بي أمام رصيف بيته كأمة بها وباء.لم يعد لي مكان بقلبه، ولا حتى ببيتي، لذلك قررت المغادرة، فكرت بالهرب من نفسي ومن ذكرياتنا، لم أخبر أبي أني ابنة عاقة تركته ليواجه حديث الناس عن كون ابنته امرأة تسعى لسرقة رجال متزوجين، امرأة تخرب العلاقات الأسرية بسبب طيشها، لم أدرك أني سأعود بسبب امرأة فاقدة للذاكرة أو مريضة نفسيا، شاءت الصدف أن تجعلني مسؤولة عنها بشكل من الأشكال، نظرت للمرأة الجالسة بجانبي والتي لم تزح عينيها من على الورقة الصفراء الحاملة لأرقام لا جدوى منها، سألتها بلطف:

-        أتريدين العثور على ابنك؟

-        هل تعلمين مكانه؟

-        سنبحث عنه حتى نجده، ثقي بي لن أتركك.
نزلت من الحافلة، ويدي اليمنى تمسك حقيبتي الممتلئة و اليسرى تجر امرأة تائهة، لا أعرف حتى اسمها، أخذت حافلة أخرى تهم بالعودة، ركبنا سويا والمرأة لم تفارق أصابعها يدي، وجدت أن الحل الأنسب هو تسليمها لمركز الشرطة علهم يتعرفون على أهلها، وصلنا بعد ساعة ونصف، وتوجهنا لأقرب مركز شرطة، أدليت بما كان بجعبتي من معلومات وتركتهم يتدبرون أمرها، لم أكن أعرف هل القدر هو الذي جعلني أعود أدراجي؟ أم أن أخطائي تلاحقني وتأبى أن تفارقني؟ لماذا بعثت لي هذه المرأة لتعيدني كل هذه المسافة؟ هل أعود للبيت بحقيبتي بعد أن غادرت ليلة أمس دون أن أعلم أحدا؟ أم أعود للفندق وأختبئ من كل الفوضى التي تسببت بها؟ ما الذي سيحل بأبي إن عرف أني هربت تاركة ورائي كل شيء، عملي وبيتي،وابن عمي الأخرق الذي ينتظر الفرصة المواتية ليجعلني امرأته؟ تبا لقدري الذي جعلني ألتقي برجل دمر قلبي ودمرت حياته بالمقابل، جلست على مقعد عمومي، استجمعت قواي وأخرجت هاتفي، أعدت شريحتي القديمة، وطلبت ابن عمي بعد أن فتح الخط باغتته سائلة :

-        ألا تزال ترغب بالزواج مني؟
-        مريم؟ أين أنت؟ والدك سيجن من الخوف عليك، أأنت بخير؟

-        سألتك إن كنت تود الزواج مني فأجبني يا خالد.

-        طبعا أريد ذلك، أين أنت الآن ؟

-        نلتقي أمام بيتك بعد نصف ساعة.
أغلقت الخط دون التأكد من رده، كان ابن عمي آخر شخص قد أفكر  بالاقتران به، لكن ألمي  كان أقوى من اختياراتي، حملت حقيبتي، وذهبت لأصير عروسا، وأكمل حياتي التي سأبنيها على أنقاض ألم حب يتيم مشرد، لم أعرف ما الذي حل بالعجوز التي أعادتني، أتراها عثرت على ابنها ؟ أم أنها ركبت حافلة أخرى باحثة عن ابن قد لا يكون له وجود من الأصل؟ لربما ستذهب لتغير قدر شخص آخر، كما غيرت قدري، من يدري !

هناك 4 تعليقات:

  1. طريقة جميلة في الوصول إلى سبب خروجك، والأجمل كيف عدت مكرهة بعدما غادرت مكرهة ، لعلها عودة لمسار قدرك!

    ردحذف
    الردود
    1. الأجمل هو مرورك أيها الشاعر البهي، دام لك الإبداع صديقي

      حذف

على كراسي الانتظار

على كراسي الانتظار (مجموعة قصصية) سكينة علوي آخر إصدار للكاتبة سكينة علوي بعنوان: على كراسي الانتظار تعرض المجموعة القصصية على كراسي ...