الأربعاء، 8 يوليو 2015

القـــــاتلة

القـــــــــــــاتلـــة 


أعلم بأني أشكو خطبا ما، لكن شيئا ما بداخلي يقول لي بأن أحدا منكم قد يكون شبيها لي، يحس بما أحسه، تراوده نفس الأحلام ونفس الكوابيس المخيفة،  تلك الأمور التي لا نقدر على الإفصاح عنها لمن يحيطون بنا، لكن لا ندري هل خوفا على أنفسنا منهم، أم خوفا عليهم من أنفسنا. الأذية أمر لا تؤيده أي ديانة، لكن لم خلق الإنسان وبداخله تلك النزعة المظلمة التي تجعله قادرا على الإقدام على أذية الآخرين، دون التفكير في العواقب أو حتى دون الرجوع لما ينص عليه العرف أو القانون أو حتى مختلف الديانات؟ صحيح أني تلقنت على يدي والدي أصول الديانة المسيحية، فقد كان كل يوم يستعرض على مسامعي ما جاء في إنجيل يوحنا، و أصحاح واحد ما يزال يتردد في آذاني إلى الآن وهو الذي يبتدئ بالجملة التالية:"تعرفون الحق والحق يحرركم" لكن ما كان يشغلني فعلا هو إذا كنا فعلا نعرف الحق فلماذا نقدم على ارتكاب الآثام؟

أن تتخذ ديانة واحدة، معناه حفظ نفسك من الضياع داخل متاهات الظلام، هذا ما كان يقنعني به والدي دوما، لكن ما الفائدة من الاحتماء بديانة لا أرضخ لقوانينها وأعرافها، الإنجيل دوما ما يتحدث عن ما يجب فعله : لا تقتل، لا تسرق، يجب أن تُحسن للأرامل واليتامى وتساعد الفقراء، تطيع وصايا الله وتتّقيه، تلتزم بمواعيد الصلاة، تحرص على إيفاء شهور وأيام الصيام، خاصة الإلزامية منها. فتغتنم ساعات وأيام الصيام بالطاعة والعبادة والاجتهاد ليلا ونهاراً، وبالسهر للصلاة والدعاء، فتمتنع عن الطعام والشراب والشهوات في ساعات الصيام... وذات يوم سألت والدي عن سبب  صيامنا فأجابني قائلا:

-         يصوم المسيحي بناء على محبته لله ورغبته في التقرّب منه والتذلل والانكسار أمامه طاعة له، وهذا الأمر ليس حديث العهد يا عزيزتي بل كان منذ الأزل فقد التزم شعب الله في العهد القديم بالصوم كعلامة على تمسكهم به وتعبيرا منهم عن خضوعهم لسلطانه وتذللهم أمامه كعربون محبة وطاعة له...ولذلك نصوم للرب من أجل أن يباركنا.



في مراحل الابتدائية كنت أصوم كرها، فقط لأن رقابة والدي الدينية كانت تتسلط علي بشكل قوي نظرا لأني الطفلة الأولى في العائلة والوحيدة كذلك، فما كان له إلا أن يحاول إنبات البذرة الدينية داخل صدري، كبرت وكبر معي سخطي على كل القيود التي يمكن أن تفرض علي، لم أكن أريد أن أحرج والدي برفضي للصلاة أو الذهاب للكنيسة كل يوم سبت، كنت أفضل أن أعتزل في غرفتي وأستمع لأغاني "الروك" الصاخبة، في مرحلة الثانوية، قصصت شعري وغيرت لونه الفاتح إلى لون أسود قاتم، اللون الأسود كان لصيقا بأغلب ملابسي، لم أدر سبب تعلقي بهذا اللون دون غيره، ربما لأني  لم أترعرع في كنف امرأة، فقد توفيت والدتي وهي تضعني بالمشفى الحكومي، فلو كانت لربما أحببت اللون الزهري، والأرجواني وغيره من الألوان التي تشكل هاجسا للفتيات ...أحيانا أشعر وكأني فأل سيء، فلو لم أولد في هذه الأسرة، لما كانت قد ماتت تلك المرأة التي لم أعرفها إلا من خلال الصور، وبعض ما كانت تدونه في دفتر الوصفات المنزلية، أطباق كثيرة لم تعد حاضرة لتجربتها، عشت في ذلك المنزل الفسيح وحيدة مع والدي الذي بدأ صبره ينفذ من جراء عدم مضاجعته لامرأة غير والدتي، كنت أعلم أنه يحتاج لامرأة تدفئ فراشه ليلا بينما أنا أراجع دروسي وأنهي واجباتي المدرسية، لكنه كان يحاول إخفاء الأمر ويوجه غضبه نحوي بشكل من الأشكال، يؤنبني على تأخري بالعودة للبيت ليلا، يوبخني على الطريقة التي أسرح بها شعري، أو الملابس التي أرتديها...بدأ الجانب المظلم في داخلي يكبر رويدا رويدا،صوت بداخلي يتحدث، يلقي إلي بأفكار شيطانية لا أدري مصدرها، ابتدأت هذه لأفكار الشريرة  بإحراقي لكل الصور الخاصة بوالدتي، لم أجد شيئا ذا بال يربطني بهذه المرأة التي رحلت للسماء، بالرغم من أنها كانت تتلو صلواتها، وتتوجه للكنيسة للاعتراف.دخلت المطبخ ليلتها، وأضرمت في مغسلة الأواني لهيبا من النيران المتصاعدة في كل الصور الموجودة بالبيت، شعرت وأنا أراقب النيران الملتهبة بأني أنظر بكره وحقد لا أدري من أين ينبعثان، لم أحس ولو بذرة تأنيب أو حزن، فتحت علبة بيرة باردة وشربت نخبا، لم يلتزم ذلك الصوت بالصمت بعد هذا بل ألقى إلي بأشياء كثيرة، بعضها وجدتها سهلة التحقق، كأن لا أعود ليلا إلى البيت، أو أن أختفي عن الأنظار لثلاثة أيام أو أكثر، صحيح أن والدي كان يتذمر مع الوقت أكثر، يجبرني على الالتزام بقانون البيت، وأن أقوم بواجباتي كما يجب لأنه ببساطة غير قادر على تحمل تصرفاتي الغريبة...في ليلة وأنا مستلقية على سريري، أشاهد فلما به من مشاهد العري ما يناهز سبعين في المائة من مجمل مشاهده، حدثني صوت بداخلي:
-        ماذا لو ضاجعت والدك؟ أليس بحاجة لامرأة؟ ألا تستطيعين أن تكوني امرأة؟
انتفضت فزعة من نفسي، وجهت ضربات متكررة لوجهي، كمن يحاول الاستيقاظ من كابوس مزعج، شعرت في لحظة بالغثيان، وبأني على وشك أن أفرغ ما بأحشائي، ركضت للحمام، غسلت وجهي ووضعت جسدي بما عليه من ملابس تحت رشاش المياه الباردة، أدركت بأن بداخلي شيئا قبيحا، يحاول الخروج للعلن بأي شكل من الأشكال، جففت نفسي وغيرت ملابسي، واتجهت للمطبخ لأهيئ كوبا من الكاكاو الساخن، علها ترخي أعصابي، قبل أن  أنزل الدرج توجهت لغرفة والدي، كان الباب مشرعا قليلا يسمح برؤية سريره، استرقت السمع علي أهتدي لصوت يخرج من الغرفة، لاشيء يسمع إطلاقا، اقتربت أكثر، لمحته مستلقيا  بدون حراك و كأنه ميت، فتحت الباب أكثر بحذر بالغ، وأنا أخطو نحوه، إحساس قوي بداخلي دفعني للتفكير بأن أكتم أنفاسه المنتظمة بالوسادة، اقتربت منه بشكل كبير لدرجة أني صرت أسمع صوت تنفسه، نظرت إليه بحقد بالغ لا أدري سببه. شعر غزته خصلات بيضاء، شفتين ساكنتين، تحيط بهما لحية خفيفة...سألت نفسي ماذا سأفعل بالجثة بعد أن أخنقه، فكرت بدفه في الفناء، أو بتقطيعه بمنشار مخبأ في مرآب البيت، أدركت أن عملية دفنه بالفناء أمر يشكل خطورة بالغة، فالجيران بمقدورهم رؤيتي من نوافذهم، كما أني بحاجة إلى فأس ومعول، وسيستغرق مني الأمر مدة طويلة قبل أن تتصاعد رائحة الجثة النتنة، ثم عدت لإمكانية تقطيعه إربا، سيتطلب مني نقله للحمام وجلب أكياس بلاستيكية كبيرة ووضع كل جزء في كيس، رأيت أن أقسمه إلى أربعة أجزاء، فهو لا يتوفر على بنية جسمانية ضخمة، بمقدوري حمل كل كيس على حدى والتوجه به إلى حاوية القمامة، لكن الأمر سينكشف بسرعة بعد أن تأتي شاحنة النفايات صباحا، يجدر بي التوجه إلى مكان أبعد من هذا، بل يجب التخلص من القطع بشكل ذكي كأن أطعمها لحيوان ما أو شيء من هذا القبيل، ماذا لو سلمت لحمه لمطعم من المطاعم التي لا تدقق في جودة اللحوم، سيكون بإمكان الزبائن تجريب طبق بلحم آدمي،  لكن كيف يمكنني جعل لحمه مشابها للحم حيوان؟ وجدت الفكرة غير مرضية، وفجأة تذكرت البحر، سأستقل سيارة أجرة  وألقي كل يوم بكيس في عرض البحر، لكن يتوجب علي إيجاد قارب، قبل أن أنهي تخطيطي فتح عينيه :
-        ألم تنامي بعد؟ هل من خطب؟
-        أبدا، كنت مارة للمطبخ، وسمعت صوتا بالغرفة ودخلت لأطمئن عليك.
-        كنت أحلم، هل صوت شخيري مزعج لهذه الدرجة؟
-        لا عليك، نم بعمق ولا تكترث لشيء، نم وارتح.
-        شكرا حبيبتي، أغلقي الباب عند خروجك.
-        سأفعل، سأفعل أبي.
فشلت مخططات ما كنت سأقدم على فعله، اشتعلت غضبا وخرجت بعد أن أغلقت الباب، وأنا بالمطبخ فكرت أن أضرم النار عند عتبة غرفته، لكن الحريق قد يشب في البيت كله، لم أعرف كيف يمكنني أن أقتلته وأتخلص منه، أو حتى التخلص من هذه الأفكار الفظيعة، أعددت كوبا من الكاكاو، تناولت البعض منه وتركته جانبا دون أن ترتخي أعصابي ولو قليلا، وأنا عائدة لغرفتي ظل هاجس القتل يحوم حولي، حاولت التفكير بشيء آخر يجلي عني هذا الشبح ،تذكرت حينها صديقة لي في الثانوية، كانت لطيفة وديعة، كانت تزورني أحيانا، لكن مؤخرا انقطعت عني أخبارها، ترى ماذا حل بها وأين هي الآن؟ فكرت بأن أتصل بها كي تزورني أو أن نرتب موعدا لنخرج سوية، عزمت على فعل ذلك صباح الغد نظرا لتأخر الوقت حينها، استلقيت على سريري فداهمني النوم بعد وقت قليل، فقد كان فكري مرهقا بالتخطيط للقتل، عندما استيقظت صباحا، حاولت استرجاع تفاصيل الحلم الذي راودني ليلا، صديقتي بفستان أحمر مكشوف الصدر واليدين، ترقص وسط جمهور غفير، أتقدم إليها محيية إياها، تنظر إلي باحتقار تدفعني بعيدا عنها، أثور غضبا، أخرج سكينا من جيب سترتي الجلدية السوداء، أطعنها عدة مرات يفور دمها، يصطبغ الفستان بلون أحمر قاتم، أحاول الهرب  أياد كثيرة تحيط بي تحاول إمساكي، أقطع بالسكين كل من اعترض طريقي، وصلت للباب المؤدي للخارج التفتت وجدت ورائي مجزرة من أناس لا أعرفهم، ضحكت بطريقة شريرة...رأسي يكاد ينفجر ألما بسبب هذا الكابوس الفظيع، أخذت حماما ولبست سترتي الجلدية السوداء ، واتجهت لبيت صديقتي علي أجدها، وصلت بعد فترة وجيزة لبيتها، دق الجرس، بعد لحظة خرجت والدتها ألقيت عليها التحية وسألتها عن ابنتها، دعتني للدخول، أخبرتني أنها بصدد تهيئ حفل عيد مولدها، شكرتها ودخلت بفرح، أول ما وقعت عليه عيني كانت صديقتي بفستان أحمر مكشوف الصدر واليدين، نظرت باندهاش إليها، تذكرت الحلم الذي راودني أمس، نفس الفستان، نفس الشكل ...أدركت أني إن أنا خطوت نحوها فقد أقدم على جريمة ما، تراجعت للوراء بخطى متسارعة، خرجت راكضة عائدة نحو غرفتي. يبدو أن بداخلي قاتلة تطوق للظهورعلنا.
 

الأحد، 5 يوليو 2015

جنـــــــة حواء


                             جنـــــة حواء:



جمعت من الأغراض ما استطاعت في حقيبة يدها الجلدية، أنواع من الحلويات الصلبة  والرطبة على حد سواء تمهيدا لقاء  المشاكسة الصغيرة، رمضان على الأبواب، لم تعد لها أسرة تقصدها لتفطر برفقتها سوى ولدها وابنته التي أنجبها مع امرأة لم تحبها يوما، منذ فترة لم يزرها أحد في شقتها، والتي نادرا ما تكتسحها أشعة الشمس، حملت ما استطاعت من الثياب الخفيفة التي احتضنها غبار الخزانة. لم تسافر مذ كانت "شهد" في ربيعها الثالث، حدقت في صورة زوجها المعلقة فوق مرآة  مستديرة لا تستعملها في العادة، تبسمت كعادتها، تلك البسمة المغرورة لم تفارقها يوما، حملت مفكرتها واتجهت صوب الهاتف الأرضي، ركبت رقم ابنها متصلة،يرن الهاتف في الجهة المقابلة  لبضع ثوان، يرفع الخط:

-         ياولد سأصل عندكم الليلة، ابق مستيقظا كي توصلني.

-         أمــــي !!! هل فعلا أنت قادمة؟

-         اسمع لا أريد أن أجد شهد نائمة، قل لأمها أن تبقيها مستيقظة

-         ح ... حسنااا، هل ستكونين بخير إن أتيت كل هذه المسافة لوحدك؟

-         أنا منشغلة الآن سأقطع المكالمة، انتظرني بمحطة القطار، سأصل في حدود العاشرة ليلا، وستكون ليلتك عصيبة إن تأخرت لثانية فقط.

-         أمـــــي من فضلك، هلا تحدثت برقة معي ولو لمرة واحدة في حياتك؟

-         -..

-         ألو ؟ أمـي ؟ أمـــــي....

يضع الهاتف جانبا، عيناه تكادان تذرفان ما علق بهما من حزن ممتزج بفرحة اللقاء، فقد انقطعت والدته عن زيارته بسبب كثرة المشاحنات التي تقع بينها وبين زوجته، آراء متضاربة، ورسائل خفية تلقيها كل واحدة على حدى، حرب نسائية لا تنتهي، لم يكن يفقه كيف ينهي هذا الصراع الدائم، كان يكتفي بالمراقبة وملاعبة طفلته ريثما تهدأ الأمور، بعد سنتين من القطيعة، حل اليوم الذي تطرق فيه والدته باب بيته، ظل مشدود الفكر لسبب قدومها، وعن الطريقة التي سيطلع بها زوجته .

-         ما الأمر؟ لم أنت مسمر أمام الهاتف؟

-         هل أخبرك بشيء؟

-         إن كان مهما تحدث، وإن كان تافها احتفظ به لنفسك.

-         الأمر لا يتعلق بكونه مهما أم تافها، بل يتعلق بكيفية صياغتي للجمل التي قد تساعد على إيصال الأمر لك.

-         هل أنت جاد؟أدخنت اليوم شيئا؟

-         أمــــي في طريقها إلينا، انتهى ما كنت أود قوله لك...

يخرج كلماته من حلقه وكأنها جمرات مشتعلة، قد تحرق أي شيء تمر فوقه، شاهد عضلات وجهها بتوتر باد، وانتظر الإجابة التي قد تمكنه من جس نبض زوجته الماثلة أمام ناظريه، تتلعثم هي الأخرى، تتسارع حركات يدها نحو خصلات شعرها القاتم كمنتصف الليل، وتجيب بعد فترة:

-         هل صرنا الآن أحبابا بعد أن قاطعتنا مدة من الزمن؟

-         نفس السؤال طرحته أيضا.

-         اسمع جيدا، في المرات السالفة كنت أمرر ما تقوله وما تفعله من أجلك ومن أجل شهد، لكن أقسم بالذي خلقني أني لن أصبر لها هذه المرة على شيء، فلتضع هذا في حسبانك.

-         تلك والدتي وسأتحمل ما تقوله وما تفعله، إن لم تكوني أنت قادرة على التحمل غادري لأهلك بضعة أيام ريثما نعرف سبب قدومها، وعودي بعدها.

انصرف وهو غير قادر على استيعاب ما قد يحدث من مفاجآت، وما قد تقدم زوجته على فعله، نظر إلى ساعته ليتحقق من الوقت، إمكانية  تأخره عن موعد وصول والدته سيعرضه للتوبيخ والإذلال أمام حشد من المارة الذين سيقفون ليراقبوا باهتمام كلماتها الصاخبة، إن لم يتعداه الأمر للصفع والركل، رغم كل ما كانت تفعله به إلا أنه يحبها ويسعد بتصرفاتها الصبيانية عادة، يجعله ذلك مطمئنا لحالتها، لاشيء أجمل من أن يكون الشخص مرحا ومشاكسا بالرغم من كبر سنه، لم تعتد والدته يوما على الخمول، فهي لا تفوت حصصها الرياضية، ولا تبالغ في الأكل الدسم، إذ لا تتناول إلا الطعام الصحي، جسمها ما يزال قادرا على تحمل المشاق، وأكثر شيء يثير انتباهه هو شغفها على القراءة الذي لم يخبو برحيل والده لدار البقاء، فقد ظلت تطالع و تمتح من مختلف العلوم والمعارف. وصل المحطة بنصف ساعة تحاشيا لأي تأخير قد يصادفه من جراء حركة المرور أو شيء غير متوقع، اقتنى مجلة نسائية، بدأ يقلب الصفحات بحثا عن الأبراج، الثور:كن متفائلا أحداث مهمة ستشهدها حياتك، لم يعد هناك مكان للمل والهدوء، احذر مما أنت مقدم على فعله، قد يعرضك الأمر للضغوط الأسرية، قد يأتيك عرض مغر للسفر أو تغيير الجو...يتمتم يقلب المجلة بانزعاج، يحدث نفسه بصوت حانق:

-         حتى هذه الخزعبلات تترصدني لا محالة،احذر مما أنت مقدم على فعله !!! ما أنا مقدم على فعله هو استقبال والدتي ، أيريدون مني أن أتركها مثلا؟

مكبر الصوت يلفظ صوت امرأة تتحدث بطريقة مرتبة، وكلمات واضحة :

-         سيداتي وسادتي القطار القادم من :فاس، مكناس، سيدي قاسم، القنيطرة، والمتوجه نحو: الرباط الدار البيضاء المحمدية، يدخل المحطة بعد قليل، المرجو الابتعاد عن السكة،شكرا.

انتفض واقفا، لف المجلة وأخذ يراقب منتهى سكة القطار عبر الزجاج الفاصل، تخيل والدته تلوح له من بعيد وهي بمقطورة السائق، بل ليس غريبا أن تكون هي من تقود ذلك القطار الصدئ الذي تبيع فيه الشركة الراعية قنينة ماء بثمن مضاعف ثلاثة مرات عن السعر العادي، ليس هذا فقط بل عادة ما يسافر واقفا في الممرات الضيقة التي لا تسع حتى نفسها، ويشتد حنقه عندما يعرف أن الشاب الواقف أمامه، لم يؤد ثمن التذكرة بل صعد للقطار خلسة، وما يزيد من غضبه هو تلك الرائحة التي تغري على إفراغ ما بالمعدة المنبعثة من تلك المرافق الصحية التي لم يتجرأ يوما على اكتشافها أو الدخول إليها، قطع صوت القطار أفكاره الغاضبة، حشد من الناس يتزاحمون حول المدخل، والآخرون يتسارعون لأخذ تذكرة من الشباك الواحد الذي يعمل، قبل أن تفوتهم فرصة اللحاق بالقطار، فينتظرون ساعة أو ساعتين... وقف في مكانه الذي ألفه عادة عند استقبال والدته، نظراته تقفز من وجه لآخر، لم يعرف أيا من المارين، بعد لحظات تظهر بوشاحها الخفيف الأزرق بالمدخل، امرأة في الستينات أو أكثر بقليل، حقيبة جلدية تحملها بيسر، نظرات صقر جارح، أنف دقيق جميل، بشرة صافية إلا من بعد التجاعيد القليل المترامية فوق جبهتها الصغيرة، يلوح لها من مكانه، ينزل الدرج وهو غير قادر على تفادي المسافرين المثقلين بأمتعة وأغراض مجهولة، يصل أخيرا إليها قائلا:

-         سعيــــد بقدومك، هل كانت رحلتك جيدة؟

-         لم أنت هزيل الجسم؟ألا تطعمك زوجتك؟

-         أبدا، أنا في أحسن حال.

-         إذن فأنا أكذب أو أتعرف على حضرتك لأول مرة، احمل الحقيبة، وناولني المجلة.

-         تفضلــــي، أتريدين أن نعرج على مكان ما قبل أن نصل للبيت.

-         فقط قد بسلام، ماذا عن شهد، كيف هي؟ وفي أي صف تدرس؟ متلهفة لرؤيتها.

-         هي أيضا فرحة بقدومك، لقد كبرت في هذه السنتين التي غبت فيهما عنا.

خرجا من المحطة والفرحة تتراقص أمام عينيه لقدومها، توجها بالسيارة نحو البيت، تسأله عن عدة أمور متفرقة، تنتهي بتقليب المجلة، تدقق في كل معلومة، تقف عند كل ما يخص الثقافة وجديد المنشورات الفكرية. لاشيء مهم يستدعي اهتمامها، تنظر عبر الزجاج للشوارع التي بدأ المارة ينقرضون بفعل هجون الليل، وصلا البيت بعد فترة وجيزة، صعدت الدرج إلى أن وصلت للطابق الثالث بدون تعب أو تعرق، فتح  الباب على وجه طفلة صغيرة في الخامسة من عمرها مبتسمة مرحبة بالزائر.

-         جدتـــــــــــــــي

-         صغيرتــــي الجميلة، اشتقت لك جدا، تعالي لحضني.

تقبلها يمنة ويسرة، تضمها بقوة ، تشم رائحتها وترتب خصلات شعرها المربوط بشريط أحمر قاتم، تحملها وعيناها تذرفان دمعا قليلا، تجفف ما بقي عالقا تحت جفنيها، ترفع رأسها لتجد زوجة ابنها ترمقها بنظرات لا ألفة بها، تلقي التحية وتتقدم نحوها، تضع شهد أرضا، تتبادلان عناقا سريعا وشهد تتعلق بثوبها في حبور وفرح، تلتفت للصغيرة المشاكسة مخاطبة إياها:

-         شهد عزيزتي، أنا مرهقة جدا هل لك أن ترافقيني للغرفة وتنامي بجانبي الليلة؟

-         حسنا، لكنك ستحكين لي قصة قبل أن ننام.

-         ولم لا تحكينها لي أنت.

-         لأن معلمتي أخبرتنا بأن الجدات هن من يحكين الحكايات والقصص.

-         مدرستك هذه تقليدية، لابد أنها تجاوزت الثلاثين، وإلا لما أوهمتك بما قلته الآن، يصرون على تنميطكم وجعلكم نسخة واحدة في التفكير.

-         لم أفهــــم

-        لا تبالي، ستفهمين فيما بعد، سأحكي لك قصة حواء في الجنة.

-         لكنني أعرفها،

-         ماذا تعرفين عنها؟

-         بأن حواء أغرت آدم بأن يأكل من تفاح الجنة الذي حرمه الله عليهما، فعاقبهما بأن يخرجا منها إلى الأرض .

-         سأحكي لك قصة حواء في الجنة كما أعرفها أنا  لا كما يعرفها الجميع.

-         موافقة

تتوجهان بخطى متسارعة نحو الغرفة، كطفلة كبيرة رفقة صديقتها الحميمة التي لم تلتق بها منذ فترة طويلة، تهيئان مكان نومهما معا بضحكات مسموعة بعد أن قامتا بطقوس ما قبل النوم، تأخذ كل منهما وضعية مريحة وتبدأ الجدة في قصتها قائلة:

-         يحكى يا صغيرتي بأنه في مكان بعيد

-         جدتي كل الحكايات تبتدئ بقولة:كــــان يا مكـــان في قديم الزمان.

-         اسمعي أيتها الهرة الصغيرة أنا لست كالآخرين، ليست ضرورة أن نتبع ما يسري عليه الجميع، ابحثي عن التميز في كل شيء، وإن  حدث وقاطعتني مرة أخرى سألقي بك في الحمام، وأغرقك في مياه المغسلة.

تضحك ضحكات طفولية رنانة، وتشد بقوة على يدي جدتها وتومئ بالقبول، لتفسح المجال للحكاية كي تبتدئ.

-         يحكى بأنه في مكان لا نعرف أين يوجد، أهو في السماء أم تحت الأرض أم بينهما، بأن كان هناك رجل وسيم بعضلات مفتولة، يعتمر قبعة ليلا ونهارا، وكان يعيش وحيدا في جنة خضراء مليئة بالأزهار والأنهار والأشجار المورقة في كل الفصول، ثمارها رطبة لذيذة طرية، لكنه لم يكن سعيدا فقد كان وحيدا، لا صديق يؤنسه ولا يتقاسم معه وقته، فكان يتجول في تلك الجنة الكبيرة عله يجد من يحدثه، وفي كل يوم يعود خائبا، فقرر أن يطلب من الإله أن يخلق له شخصا على شاكلته، يفهم ما يقول ويشاطره الاهتمامات لتكتمل سعادته، واستجاب له ربه، فخلق له مؤنسا لكن هذا المؤنس  كان امرأة، لم يتعامل أدم قط مع النساء فكيف سيتمكن من فهم هذا المخلوق الجديد، حار في  أمره وقرر أن يعود للرب يشتكي إليه عدم فهمه لجنس النساء، أو على الأقل يستفسر عن شكلها ولون بشرتها ولغتها... لكنه خشي أن يحرمه منها ويظل وحيدا بسبب كثرة أسئلته، فكتم ما أحس به من خوف وقلق وظل ينتظر هذه المرأة القادمةمن أجله بأمر من الرب، وفي يوم وبينما هو يتجول كعادته، لمح بجانب الشلال، شابة جميلة مشدودة القوام، منسدلة الشعر، بشرتها نقية كإشراقة صباح. تحرك شيء بداخل صدره، كأنه تلقى ضربة من المجهول، سمع دقات قلبه تتسارع، لم يقوى على الوقوف أكثر وهو يراقب ذلك الشيء الجميل يتراقص تحت مياه شلال متدفقة مياهه، أغمض عينيه ولف نفسه بذراعيه، سمع صوتا يحدثه:



-          آدم، اعلم أن ربك قد استجاب لدعواك، ومنحك شريكا في الجنة، وهذا الشريك هو حواء، آدم اعلم أن ربك وهبها عقلا وجسدا فعش معها وامنحها ما تمنحه لنفسك، آدم اعلم أن ربك سيختبر إيمانك في كل وقت وحين، لذلك أرسل مع حواء مخلوقا يدعى إبليس، سيحاول ما أمكن أن يغويك ويوسوس لك لتعصى ما أمرك به الله، وتذكر أن هذا المخلوق ذكي وسيزين لك المساوئ فلا تكن من الظالمين.

-         من أنت؟

-         أنا رسول ربك إليك.

-         وماذا علي أن أفعل لكي لا أقع في شرك إبليس؟لم لا تجيبني؟ أين اختفيت؟

يفتح عينيه، لا صوت يحدثه، غير سحر امرأة ماثلة أمامه، قطرات المياه ما تزال تتساقط من على ذراعيها ملامسة عشب الجنة، وقف بسرعة خاطفة، عدل من وضعية قبعته رفعها على الطريقة الفرنسية، انحنى للأسفل قليل وضع ركبته أرضا، ورفع رأسه يحدق في الجميلة الماثلة أمامه قائلا:

-         أنـــا آدم، وأنا تحث إمرتك.

-         أنا حواء، لقد حدثني عنك جبريل، سعيدة برؤيتك.

التقى آدم بحواء، لم يبذلا جهدا كبير في الانسجام وخلق أواصر الحب والتفاهم، ربما لأنها علاقة سبق وأن تقرر مصيرها في أعالي السماء، ولا تسأليني عن هل تزوجا أم لا؟ وهل هناك وثيقة تثبت زواجهما؟ فسأجيبك بأن كل هذه الأمور لم يكن لها وجود، إذ الحب حينها أكبر وثيقة وأمتنها، لم تكن حواء لتطلب عرسا فخما، وألبسة بألوان براقة، اكتفت بقبول آدم من رفع قبعته وانحنائه، كان بإمكانها أن ترفضه طبعا، لكن لم يكن هناك غلمان بعد في الجنة، فلم تجد بديلا، لذلك عاشا معا يقضيان وقتهما في الحديث عن المياه وجريانها، وعن الخضرة وجمالها، وعن الأشجار وثمارها، وكان قلب حواء يميل للفواكه ذات اللون الأحمر الصغيرة الحجم، فكان آدم يتجول في كل ربوع الجنة في الصباح الباكر يجمع أكبر قدر من الفواكه، لتفتح حواء عينيها على كميات كبيرة من الفواكه الحمراء الصغيرة، بعد أن نظفها بالمياه التي لمحها أول مرة تستحم بها، تعلق قلب آدم بكل شيء تحبه حواء.ظلت الأمور على خير ما يرام إلى أن حل إبليس ضيفا على جنة آدم، راقب عصفوري الجنة الناطقان بالحب، فلم يرضه ألا يقوم بعمله المعتاد وهو الوسوسة والتفرقة، لم يجد مدخلا آمنا وسريعا لتخريب سعادة آدم إلا عن طريق حواء، تقرب إبليس منها على غفلة من آدم، فقصدها قائلا:

-         عزيزتي حواء أراك لا تحبين إلا الفواكه  ذات اللون الأحمر.

-         أجــــل، وآدم يجلب لي منها الشيء الكثير كل يوم.

-         أو تظنين بأن آدم يجلب لك كل الأنواع اللذيذة؟

-         طبـــعا فهو أقسم لي بأنه يجلب لي يوميا كل الأنواع التي تنضح بها الجنة.

-         وهل صدقته؟ غريب، فأنا لا أرى أمامك أشهى فاكهة في الجنة كلها، طبعا فلابد أنه يأكلها قبل أن يصل إليك.

توترت نبرتها، وانتصبت واقفة والغضب يسيطر على سحنة وجهها، ترسخ في ذهنا هذا الشك القاتل الذي يجعل من آدم مجرد كاذب منافق، فقررت أن تتأكد بنفسها من صحة كلام إبليس، فنظرت إليه سائلة:

-         أيمكن أن تدلني على الطريق لأنظر بنفسي في الأمر.

-         بكل سرور يا جميلة الجنة، اتبعيني

خطت حواء خطوات إبليس وتبعته، لتتأكد مما قاله، أو ربما لتثبت أن آدم يدعي المحبة، ويزيف الحقائق، تمشى إبليس وحواء جنبا لجنب، هو يتحدث وهي تسمع، هو ينثر الشك وهي تسقيه، إلى أن وصلا إلى مكان فسيح أخضر تتوسطه شجرة واحد يشع منها لون أحمر شهي يغري بالتهامه، ترقرقت عيناها حزنا على كذب آدم، وشهوة للاتهام ما لمحته من بعيد، أخذت تركض لتقزم المسافة الفاصلة بينها وبين الشجرة، تضاءلت الهوة الفاصلة واتضحت معالم الشجرة، كانت شجرة تفاح أحمر كبير الحجم، بدأت تطوف حول الشجرة كأنها تبحث عن شي مفقود، بعد عدة دورات توقفت والغضب يتناثر من بين عينيها موجهة كلامها لإبليس:

-         أيها المسخ القذر، جلبتني كل هذه المسافة من أجل شجرة تفاح أحمر

-          ما هذا الجفاء الذي تقابلينني به عزيزتي؟ بدل أن تشكريني لأني أظهرت لك حقيقة آدم، تجازينني بتعييري؟

-          اصمت أيها الغبي، آدم لم يكن ليكذب علي.

-         وما هذا الذي أمامك؟ أنا أريتك فاكهة لم تأكلي منها من قبل، أو ليست فاكهة حمراء مغرية على الأكل؟

-         هذا تفاح، هو فاكهة حمراء لكنه بحجم كبير، أنا لا آكل إلا الفواكه الحمراء الصغيرة، فلتذهب للجحيم، كنت مجنونة عندما صدقتك وشككت في آدم المسكين .

خاب أفق توقع إبليس من جواب حواء، ولم يصدق أن السبب الذي سيخرج آدم من الجنة بأكله للتفاح قد صار في عداد المستحيل، علم حينها أن وظيفته لم تعد صالحة، ظل بعدها يطوف في الجنة طولا وعرضا بحثا عن عمل يشغل به نفسه غير الوسوسة وإخراج آدم من الجنة، فلم يجد عملا غير أن يكون بستانيا بالجنة، يشذب الأغصان ويروي الزرع ويجني الفواكه، وعاشت بذلك حواء مع آدم بسعادة ورزقا بطفلين جميلين هابيل وقابيل، وغدا يا عزيزتي شهد سأحكي لك عن هذين الطفلين، وعن قصتهما مع بستاني الجنة.

تلتفت الجدة لحفيدتها، فتجدها قد غطت في نوم عميق، لم تلحظ متى سرقها النوم، سحبت  الغطاء الملقى أرضا، قبلتها قبلة حارة على جبينها، عدلت فراش نومها، استلقت على ظهرها لتطرد تعب السفر، ولتتمكن من الاستيقاظ على الساعة السادسة صباحا للتريض وشراء الجرائد، واستقبال يوم جديد، مع خطط جديدة توقع بها زوجة ابنها:

  -         لهذا لا أحب أن أحكي القصص، فالنوم يجهض النهاية دوما.

على كراسي الانتظار

على كراسي الانتظار (مجموعة قصصية) سكينة علوي آخر إصدار للكاتبة سكينة علوي بعنوان: على كراسي الانتظار تعرض المجموعة القصصية على كراسي ...