الثلاثاء، 29 مارس 2016

للحديث بقية ....





أضع رأسي المنهك على وسادة مشبعة بعطر بقي عالقا بياقة قميصي، أتجول بفكري بين كل تلك الأمور الغريبة التي اقترفتها، أحرك مقلتي بعصبية في الظلام، أتقلب يمنة ويسرة، لا نوم يسري إلي، صوت عقارب ساعة يدي تصلني من على الطاولة التي علاها الغبار ولم أجد لها وقتا لترتيبها، أخطط للاستيقاظ صباحا، أضبط منبهي، يشتت الظلام على نفحات ضوء هاتفي، أغتنم الفرصة للنظر في بعض الصور المخزنة على بطاقة الذاكرة، أبتسم بشرود، مسترجعة بعض تفاصيل الصور، أتذكر أشخاصا، وأتوجه للرسائل النصية، لاشيء يغري على القراءة، بضع تهاني لحلول مناسبة ما، تبريكات بأحرف عربية منسوخة، يبعثها أكثر من شخص وعلى نفس الشاكلة، أحيانا لا أتعب نظري بإكمال أحرف الرسالة، لأني على علم مسبق بأنها نسخة عن سابقاتها، رسالة تختلف عن الأخريات: أحس بالاختناق، لاشيء يجري كما أريده، أيعقل أن الرب نسي وجودي لأعاقب بعكس الأماني؟

كانت رسالة من صديقة لي تشتكي أحوالها المتردية، وسوء الطالع الذي يلاحقها، لم يكن علي فعلا فتح هذه الرسالة، فلست في حال جيدة تسمح بإضافة هذا الحمل على كاهلي، وجدت أن الرسالة بدون رد، بدأت أفكر في الجواب الأنسب على الرغم من أني تأخرت لأسبوعين، تراها كلماتي ستجدي الآن أم أنها ستزيدها غرقا في الأحزان وتعيد لها ذكرى على الأغلب قد نسيتها أو تجاوزتها لمحنة أخرى، صرفت النظر عن الرد، استسلمت للظلام في انتظار الصباح، لم أعلم حقا متى غفوت، راودني حلم سيء للغاية دماء وجروح وحيوانات تعج بالبيت،أحاول الركض لكن أطرافي مقيدة بفعل قوة ما، كنت أشعر بالخوف وبطاقة سلبية تطبق على نفسي، حتى النظر كان يصعب علي لم أعرف إلى أين أتجه، أهو الضياع ! انقضى الليل بمشقة الأنفس وأعلن المنبه عن وقت الاستيقاظ أخيرا، ليالي الشتاء برغم طولها إلا أني اجد نفسي عطشة للنوم، وأني أأدي ضريبة الأرق ليلا، أغلقت الصوت المزعج واستدرت للجهة المعاكسة، نظرت للحائط أحاول استرجاع الخطط التي رسمتها ليلا لصرف يومي، قفزت من بين ثنايا الفراش معلنة عن يوم جديد، يوم أعلم أني سأكابد من خلاله وأذوق الأمرين، يبتدئ يومي بالاستعداد للخروج للعمل، ساعة زمنية كافية لتجعلني شخصا آخر من امرأة في الثلاثينيات بشعر متطاير منكوش، ومنامة طفولية اجتمعت بها كل تجاعيد العالم، إلى أنثى  بهندام مرتب ورائحة عطر زكي اختير بعناية...وما أسعدني حين يسألني أحد عن اسم العطر المسكوب على ياقتي وأكمام قميصي ، وعن مكان اقتنائه، ويكأن العطر من صنعي، وجوه الأشخاص الذين يجمعني بهم نفس طريق العمل تتشابه في ملامح العياء والتعب والكدح من أجل لقمة عيش، أتزاحم معهم في الحافلة، أحيانا قليلة أجد مكانا شاغرا للجلوس، يكون في العادة كرسيا يوشك على أن يترك مكانه بسبب شغب المراهقين الذين شفطت المخدرات الرخيصة عقولهم، وأحايين كثيرة لا أجد حتى خمس سنتميرات  لأقف بها دون أن يحتك بي مخبول بمؤخرات النساء أو مراهق متحرش غاب عقله بسبب سيجارة حشيش أخذها قبل الصعود للحافلة، كنت من محبات القراءة، في الماضي كنت آخذ لي مكانا قصيا أنهل فيه من رواية عالمية أو محلية، لكن الآن ليتني أصل إلى عملي دون أن أفقد شيئا من أغراضي بفعل السرقات المتكررة التي يتعرض لها الركاب، أتذكر اليوم الذي كنت عائدة فيه من مدينة الدار البيضاء بعد مرافعة طويلة في المحكمة حول قضية ابتزاز تعرضت لها موكلتي "ج" بسبب صور التقطت لها وهي تأذ حماما فكان الجار المخبول ومتربصا بها مهيئا كل الوسائل لتظهر موكلتي في صور وأيضا شريط إيباحي انتشر على موقع التواصل الاجتماعي كما تنتشر النار بالهشيم... أخذت الحافلة الوحيدة التي تصل إلى بيتي  والتي تحمل الرقم 7 ، والذي صار يمثل أمامي فأل سوء لا أكثر،كانت الساعة تتجاوز الثامنة ليلا ببضع دقائق، مررنا بجانب غابة أشار الفلين، توقفت الحافلة على حين غفلة من ركابها، وعلى غير عهدها إذ ليس المكان بموقف  مخصص للحافلات، سمعت صوت امرأة تولول من هول مفاجأة غير سارة، وأنا القابعة في كرسي خلفي بالحافلة، لم أعرف  ما لذي يجري، اختلجني شعور رهيب بالفزع، فتح الباب الخلفي على وقع تهشم زجاج النوافذ من الجهة اليمنى للحافلة، لم أتذكر حينها هل تلوت بعضا من الآيات المنجيات، لأني فعلا شعرت أن لساني قد أصابه شلل كامل، اقتحم المكان شباب مخمورون، يتمايلون على إيقاعات تمليها عليهم عقولهم لا أكثر، وبينما أنا أتمايل من خوفي شاهدت عيني واحدا منهم كان وجهه محجوبا بقناع لا يظهر إلا عينيه، كانتا مرعبتين كعيني حيوان مفترس جائع اشتم رائحة البشر من على بعد أميال، تمنيت حينها لو تنشق الحافلة وأغوص أرضا، أو حتى أن يصير للكرسي القابع في مكانه أجنحة تحلق بي عاليا... وسط فزع الركاب وصراخ النساء لم يكن للمخمور إلا أن ترك كل الحاضرين لتتوجه نظراته إلى حقيبتي الجلدية الملأى بقضايا عالقة أغلب أصحابها من المظلومين الذين أخذت أراضيهم جورا أو ممن طلقهن أزواجهن وتركوا عبء المصاريف عليهن، أو ممن يدعون تعرضهم لابتزازات مالية وجنسية  أو غيرها من المصائب التي صارت تتخذ لها أشكالا وتلاوين جمة، أحسست فعلا بأني مهددة بسبب هذه الحقيبة اللعينة التي إن رآها شخص لا يملك حسا إجراميا،  سيظن أنها تحوي  ملاين السنتيمات، جاء الصوت مرتعشا متلعثما تعلوه بحة  ":

-         أخرجوا ما بجيوبكم، ومن تجرأ على الصراخ أو محاولة الهرب سيكون جثة هامدة.

انتشر الرجال الستة عبر الحافلة يشهرون سيوفهم في وجه  الركاب، لم يستطع أحد أن ينبس بنت شفة، كنت موقنة أن الرجال سيصلون لي عاجلا  أم آجلا، كانت أطرافي تأبى مطاوعتي، كانت تتحرك بدون انقطاع " يا أ الله يا رب السموات والأرض، يا رحيم ارحمنا، اللهم اجعل من بين أيديهم ومن خلفهم سدا – لم أكن أعرف مدى صحة الآية، قلت حينها النية أبلغ من العمل- ، يا رب فقط نجني من هذه المصيبة ولن أراه مجددا"  قلت هذا مرددة إياه مرارا علها تحميني هذه الكلمات من غضب سكير قد يترك سكينه برقبتي، أردت أن أضحي به بدلا من أن أضحي بنفسي، قلت الحب ليس كل شيء، ربما هي علامة إلهية ظهرت أمامي لتركه يرحل من حياتي، وأنا التي عقدت أحلامي وحياتي القادمة على وجوده، قلت الحب لا يقتل لكن سكينا من سكير طائش تقتل وتجعلني في عداد الذين ترحم عليهم سبع ليال ونصف يوم، و غطاهم النسيان طيلة الحياة الدنيوية، لا أعرف ما الذي جعلني أعدل عن قراري، وأتشبث به أكثر وأتصل به بعد أن نزلت سالمة من الحافلة اللعينة، حمدا لله لم يستطيعوا أن يصلوا إلي لنهب ممتلكاتي، فقد تدخل القدر بهروبهم إبان رؤيتهم لسيارة  نقل الأموات التي كان مصباحها يومض من بعيد، ظهر لهم على أنه تابع لدورية شرطة، يا لها من راحة، أن تنقذك جثة شخص ميت ولا تعرف أهو ذكر أم أنثى، تجعلك صدفة كهذه ترغب بفتح الكفن لتقبيل رأسه والدعاء له بالرحمة، جراء الخدمة التي لم يستطع من هو على قيد الحياة القيام بها.

-         أين أنت؟ أتصل ولا تجيب .... لقد اعترض طريقي  مخمورون وكادوا يسطون على حقيبتي.

كانت رسالة مقتضبة لم أستطع فيها شرح ما وقع بالتفصيل، أصعب شيء هو أن تكون بحاجة لشخص ولا تجده بجانبك وكل الطرق لا تؤدي إليه، لم أستطع تمالك نفسي، أجهشت ببكاء حارق لقلبي، لم أكن أعرف تحديدا، هل أبكي لأني عشت تجربة سيئة على متن الحافلة؟ أم لأني لم أجده وقت ضعفي؟ أم لأني لم أستطع الوفاء بوعدي الذي قطعته أمام الرب في حالة خوف؟ نعم لقد  قررت حينها الابتعاد عنه، وأقسمت بمن يغرب الشمس ويشرقها أن يكون في عداد المنسيين، لكني هربت منه إليه، وعند هروبي لم أجد له أثرا، أين أنت بالله عليك؟ لماذا بحق الجحيم لست معي الآن؟  اللعنة علي وعليك وعلى كل شيء في هذا العالم البائس، كلها شتائم فاض بها قلبي قبل أن تصل للساني.

أحببته بقدر السماء، وكنت مدركة أنه إذا حدث وتعلق قلبي بأحد سأحرم منه بأي شكل من الأشكال، كنت أنتظر شكل النهاية لأن النهاية موقنة لا محالة، قد أختلق عذرا واهيا يجعلني من عدواته اللدودات، أو قد يتكفل القدر بذلك ليلقي بنا على قارعة النسيان أو يقيدنا برباط الألم والفراق، سمعت أن عصير الليمون كفيل بأن يجعلك نشيطا كل اليوم، أشرب كميات كبيرة منه، وأتناول حلويات بنكهة الليمون، وأقرأ مقالات عدة خلال اليوم عن فوائد الليمون، لكن لا نشاط ولا حيوية،وصلت العمل اليوم وأنا في كامل تعبي وسخطي على كل الأشياء الصغيرة التي تظل تطرق جدار رأسي، أحس بأن بدماغي زحمة سير ولا شرطي ولا أضواء ولا إشارات لتنظيمها، كنت أفكر أن أبدأ في التدخين، لكني لم أكن أملك ولاعة، أو ربما أقنعت نفسي بذلك لكي لا أخطو أول خطوة نحو إدمان شيء بعدما كنت مدمنة على حبه وعلى صوته وعلى نفسه  المتقطع وأنا أتحرش به وقت الغروب، وجدت ملفات متراكمة فوق مكتبي الذي يأبى أن يعثر على طريقة لتنظيمه، تماما مثل أفكاري الآن، ما الذي سأفعله لو لم أكن محامية؟ سؤال أطرحه كل يوم على انعكاس صورتي في المرآة وعلى كوب القهوة الصباحي أو المسائي وعلى شاشة الحاسوب قبل أن يعلن عن بدء عمله، كلما رأيت وجهي أو شكلي على انعكاس شيء ما أتساءل، لكني أجيب نفسي بعد إرهاق تفكير، ربما كنت سأختار أن أكون رسامة، أرسم الملامح التي بقيت عالقة في بالي، أرسم لي قصرا من آمال عذبة ، ووطنا من حلوى هلامية، وعساكر من سكاكر...سأرسمه كما يراه قلبي لا كما أرتنيه الأيام، سأرسمه وسيما أنيقا بعطر زهر ليمون زكي الرائحة، سأرسمه شاعرا يتغزل بي عند كل استيقاظ، سأرسمه عداء يعدو نحوي كل وهلة دون كلل، سأرسمه بطلا يطوقني بعضلاته ويلقي علي رداءه الأسود الذي استقاه من زورو بالأفلام الكرتونية، سأرسم كل الأماني الجميلة التي قد تجمعني به، سأرسم سريرنا من ريش سنونو يذكرنا برائحة البحر ونحن نعتكف حبا فوق جبال الفرح بعيدا عن أعين كل الفضوليين،سأرسم كل هذا دون أن أستعمل لونا أسود، يكفيني سواد لحيته الذي يحرض على النهل من مقاطع فيروز الغنائية.

حرضت نفسي على إعادة النظر في القضايا المتراكمة و العالقة بين ملفات محاكم البلاد، والتي علق أصحابها آمالا كبيرة كي يأتي الفرج عل يدي، لكنهم نسوا أني متحايلة أكثر من كوني محامية تطبق القانون بحذافيره، أحيانا أقف بجانب الظلم على حساب المظلوم، أتقاضى أتعابي وأنا في كامل انتشائي بنصري خلال المرافعة، الهزيمة شيء مخز فعلا، كنت ومازلت أحب النصر ولو على حساب غيري، كنت أدرك أني أمتلك جانبا إبليسيا لا يظهر على وجه تميل  ملامحه للطيبة والسذاجة أكثر من الدهاء والمكر، كنت ألبس عباءة الطيبوبة وكنت أحسن لعب الأدوار واستغلال الفرص المتاحة أمامي، لكن كما قيل "سعيد في العمل، تعيس في الحب" وقلبي أنا حمل أتعس حب في كل الدنيا، ربما لهذا أنا أحاول الآن جاهدة التركيز على عملي أكثر من البحث عن حب يملأ جنبات قلبي الشره، لن أتحدث أكثر عن الحب الذي سبب شرخا في قلبي و الذي مازلت أتلقى علاجا للنسيان لمداواته، يكفي الاعتراف بأني فشلت بكسب رهان هذا الحب، ربما لأني اعتبرته قضية عالقة من القضايا المترامية فوق مكتبي،

لم أرد لهذه القصة أن تنتهي، لكن القدر أقوى من قلمي،سيكون للحديث بقية...

الجمعة، 19 فبراير 2016

هو ليس لي



حملقت في سقف غرفة فندق وضيع، ورائحة دخان سجائر آخر زبون لم تنجل بعد من الستائر الباهتة والآيلة للتمزق جراء حركة يد بسيطة، لم أعرف في أي الأمور يجب أن أفكر، تراكمت أمام ناظري مختلف الأحداث الصاخبة التي يعج بها رأسي، أنظر لحقيبة ملابسي التي لملمتها على عجل من أمري إبان هروبي من البيت، لم أعرف إلى أين سأتجه بها في ليلة باردة كهذه، الفندق أرحم من المبيت على مقعد من مقاعد محطة الحافلات التي تعج بالتائهين والسكارى. أن أقدم على الهرب أمر به من الحمق الشيء الكثير، فكيف لي أن أعثر على طريق يوصلني لبر الأمان من دون خسائر؟ وكيف سأرتب كل هذه الفوضى التي قمت بها؟ لم أكن لأفكر يوما بأني سأقدم على فعل كهذا، أن أخطط للهرب مع حبيب سيكون أمرا مألوفا اعتادت عليه الأسماع، لكن  أن أهرب من دمار تسببت به فهذا كان أمرا مستبعدا، ما الذي سأفعله في حضن هذا الليل الطويل؟ لربما سأنهال على وسادة مغبرة بالدموع وسألطم على وجنتي إلى أن يعلن الصباح عن نفسه بضياء يخترق زجاج نافذة تطل على منظر لا يغري بالتقاط صورة للذكرى حتى.
خرجت بعد ليلة مضنية لشوارع مدينة سأغادرها بعد سويعات قليلة،  اقتنيت تذكرة سفر لمدينة تبعد آلاف الكيلومترات عن حياتي الاعتيادية، تمنيت لو أني بطلة بمسلسل درامي، لكنت حلقت بطائرة، وحططت الرحال بعاصمة أوربية، أو حتى آسيوية، لكني لست بطلة في شيء سوى في ارتكاب المصائب. الآن لا أملك إلا أن أختبئ في مدينة ما بها شوارع تختلف عن التي ترعرعت بها، وتجمع أناسا لا علم لي بهوياتهم ولا بحكاياتهم الخفية. صعدت الحافلة وأنا أراقب بحرص وجوه المسافرين المثقلين بحقائب وهموم متفاوتة، خشية أن يتعرف علي أحد منهم، دسست وجهي بجريدة وجدتها بأول كشك لصيق بمحطة المسافرين، لم أتأكد من تاريخها، فقط أخذتها بلهفة مجرم حريص على الاختباء من مطارديه، طأطأت رأسي منتظرة إعلان السائق عن المغادرة، جلست بجانبي امرأة عجوز، بعض الشعر الأبيض يطل من تحت غطاء رأس بني داكن، تجاعيد متناثرة هنا وهناك، عينان جاحظتان يملؤهما الحزن، رائحتها كعشب بري، لم أستطع تمييزه، بدا وكأنه عطر إكليل جبل بري، أعلنت الحافلة عن المغادرة، اهتز المحرك بصخب وتحركت العجلات على مهل إلى أن استقام هيكل الحافلة الملأى بروائح تكاد تصل للنتانة، اختلست النظر للعجوز القابعة بجانبي، كنت موقنة من أنها من النوع الثرثار الذي لن يسكت عن الحديث إلا إذا تظاهرت بالنوم، لذلك سأتوقع انفجار سيل حديثها في أي لحظة، مرت ساعة والعجوز لم تنبس ببنت شفة، أتحرك وأعدل من جلستي مرارا، ولا تحرك حتى جفنيها تجاهي،أقلب الصحيفة وأقلبها من أجل إصدار ضجيج مفتعل، لكن العجوز كانت تسبح في عالم لم أدركه، وكأنها كانت تقيم صلاة وتحدث آلهة مرئيين، صرت أرغب بشدة أن أسمع كلمة من طرف هذه المرأة الهادئة، لعلها تعاني إعاقة ما؟ سألت نفسي مرارا ولا إجابة شافية تطفئ لهيب فضولي، لم أعتد على صمت من بجواري، ينذرني هذا بكارثة قادمة لا محالة، وكلما سارعت للحديث كلما كان أسلم، قررت أن آخذ مبادرة الحديث فنظرت إليها سائلة:

-        أمازالت أمامنا مسافة طويلة لنصل ؟
لم تتحرك مقلتاها، ظلت مشدوهة البال للمقعد الذي أمامها، وكأنها ترى أشباحا راقصة، كمن يقوم برقصة صوفية  لا حركة بها، الأمر أشبه "باليوغا"، فشلت أول مبادرة لي، زحزحتها قليلا معيدة نفس السؤال:

-         عفوا سيدتي، أمازالت أمامنا مسافة طويلة لنصل ؟

-         هلا اتصلت بابني لتعلميه بقدومي؟

نظرت إليها باستغراب ، ما هذا الجواب؟أجبت بابتسامة باردة:

-        حسنا، أعطني الرقم.

-        إنه مسجل بورقة،

-        أعطني الورقة إذن.
بدأت تفتش ملابسها، لتخرج بعد بحث مطول، ورقة صفراء مغبرة، تملؤها الطيات حتى كادت الأرقام تختفي من على ظهرها، سلمتها لي بحرص شديد، كمن يهب عينيه لطفل، أخذت الورقة بعصبية طفيفة، أخرجت هاتفي الذي غيرت شريحته كي لا يستطيع أحد من معارفي الوصول إلي، ركبت الأرقام، وانتظرت الرد في الجهة المقابلة، أجابتني المتحدثة الآلية، بأن الرقم غير موجود، استغربت من الأمر، وأعدت التأكد من الأرقام المدونة على الورقة، إنها نفس الأرقام ونفس الترتيب، فما الخطأ إذن؟ نظرت إلي المرأة بدهشة، تنتظر مني إجابة:

-        ألا يجيب؟ ربما يكون نائما.
لم أعرف ما الذي يفترض بي أن أقوله، لكني لم أجب وأعدت تركيب الأرقام من جديد، لكن نفس النتيجة تكررت،أطفأت الهاتف وأعدت تشغيله، ظنا مني أن المشكل قد يكون بالشبكة، لكن الأمر يعيد نفسه:

-        هذا الرقم غير موجود، المرجو التأكد من رقم مخاطبكم.
نظرت إليها رافعة حاجبي الأيسر، والتوتر يملأ فمي، غير قادرة على إفشاء ما بجعبتي، استجمعت قواي وحدثتها:
-        هل أنت متأكدة من أن هذه هي الورقة الصحيحة التي دون فيها ابنك رقم هاتفه؟

-        أجل لقد دونها بنفسه.لماذا؟ ألا يجيب؟

-        هذا الرقم غير موجود أصلا، فكيف له أن يجيب؟
سكتت تفكر قليلا، دارت بعينيها الغائرتين نصف دورة في الهواء، وضعت يدها على صدرها، كمن تفتش عن ورقة أخرى، لم أعرف ما الذي يفترض بي أن أفعله، سألتها:

-        إلى أين تتجهين؟
لم أتلق ردا منها، ظلت شاردة تفكر وتتنفس بهدوء مرعب، ما الذي يدور بخلد هذه المرأة؟أعدت سؤالها:

-        يمكنني إيصالك إلى حيث تودين.
نظرت إلي بحب وطمأنينة، ذكرتني نظرتها بوجه أمي قبل موتها، تلك النظرة المفعمة بالمشاعر الطيبة وهي تودعني من على فراش الموت،عينان تفيضان دمعا من كثرة الأسى، ما بال هذه المرأة تذكرني بأوجاعي؟

-        هل تعرفين أين يقيم ولدي؟
سؤال تلقيته كالصاعقة، عم تتحدث هذه المرأة؟ أهي بهذا الغباء الكبير، أم أنها تستغبي نفسها؟ كيف لي أن أعرف ابنها وما أنا إلا غريبة جمعتنا قدرة السفر في مقعدين متجاورين من حافلة أقلعت وابتعدت أميالا عن المدينة التي خربت بها حياتي بيدي:
-        سيدتي، هل تمزحين؟ كيف لي أن أعرف ابنك؟ وأي مدينة تقصدين؟

-        لا أعلم،

-         كيف لا تعلمين ،أأنت جادة بكلامك؟
بدت المرأة فعلا أنها لا تعلم إلى أين تتجه، اعتلت الصفرة وجهها، بدت كإنسان يحتضر خوفا، ما الذي تفكر به؟ أيعقل أنها تعاني خللا نفسيا؟ كيف استطاعت أن تستقل الحافلة إن كانت كذلك؟تذكرت جدتي التي كانت تعاني من مرض "الزهايمر"، كانت تخرج من الباب الخلفي للبيت لتضيع وسط أشجار الزيتون المنتشرة بالحديقة، فكانت تجهش بالبكاء، ظانة أنها وسط غابة وأن الذئاب ستنهش جسدها كما فعلت بشقيقها عندما كانت صغيرة السن، آه يا جدتي كم كنت أتألم  عندما أحدثك ولا تعرفين من أنا، هذه المرأة آلمتني من جديد، نسيت كل تلك الهموم المتراكمة بفكري، لم أعد أفكر في شيء إلا في كيفية تذكر هذه المرأة الجالسة بجانبي والتي مسحت ذاكرتها كسبورة مكتوبة بطبشور،هل يفترض بي أن أعود بها لحيث صعدت؟ لربما تكون قد خرجت على حين غفلة من أهلها؟ إن عدت فسأظل متابعة لأني دمرت أسرة بسبب طيشي، وبسبب خصلة حب الامتلاك التي تسكنني، كيف لي أن أحب رجلا متزوجا؟ ما الذي كنت أفكر به حينما ذهبت لبيته لأطالب بحقي فيه؟ وكيف لي أن أنسى بكاء طفلتيه وصدمة  زوجته، وهي تتلقى تعاليقي كالصاعقة؟ كنت كالمجنونة التي أعماها الحب، تركت كل شيء لأكون معه، وهو تركني ليكون مع كل الأشياء التي رتبها في حياته،تخليت عن أبي ، تركت أحلامي المستقبلية بأن أصبح مهندسة معمارية ترسم النماذج لتصير معالم يذكرها التاريخ بعد فترة، ما الذي جنيت من الحب، إلا الخراب لي وله ولكل من يحيطون بي ! التقيت به صدفة، بمحل بقالة، كنت مستعجلة جدا لأخذ مقتنياتي، فاحتج على تصرفي اللامبالي- وليته لم يفعل – وجدته رجلا عصبيا، لم أتردد في الاعتذار، نظر إلي بازدراء ،وغادر من دون أن ينبس ببنت شفة،كدت أموت غيظا، بقي عالقا ببالي لفترة طويلة، لماذا استوطن عقلي الباطني بهذا الشكل المهول من أول لقاء دبرته الصدف؟ كان لقاء  باردا جافا لا حياة به بل لا يعقل أن يتذكره هو، من يومها بدأت لقاءاتنا تتوالى صدفة عند محل البقالة الذي أقتني منه مشتريات البيت الضرورية، اختلقت الأعذار للحديث معه، تعارفنا وبدأت روح التواصل تسري بيننا، أحببته بكل تفاصيله، بنظرته الغاضبة، وببسمته الأخاذة، كنت أحب جديته وصراخه، وطرائفه التي لم تكن لتضحك أحدا غيري، أحببته بهوس جعلني أريده لي وحدي، في يوم أخبرته أني أريده، وأني لا أستطيع العيش بدونه، ابتسم بوجهي، ورد ببرود:

-        لكني متزوج ولي طفلتين.

-        لكني أحبك وأريدك، ولا يهمني أن تكون كذلك.
-        كيف لا يهمك؟ ما الذي سيحدث لأسرتي التي سهرت على بنائها طيلة هذه السنين؟

-        ما كان عليك إذن أن  تجعلني أحبك.
-        أنا لم أفرض عليك ذلك، أنت أردت أن تقعي بحبي بمحض إرادتك.
قلت بعدها اتصالاته، وصار لقاؤه أمرا مستحيلا، أتصل به ولا يجيب، أحاول لقاءه فيتجنبني، صرت كالمهووسة، لا تدرك شيئا، أحلم به ليل نهار،أغار عليه من زوجته وأطفاله، أجهش بالبكاء على أبسط الأشياء، كنت كمراهقة تذوق طعم الحب لأول مرة، يحدثني أبي عن الزواج من خالد، فأنفجر غاضبة بوجهه، لم أعد أطيق الرجال، صرت أراه في اليقظة والمنام ،قررت أن أواجهه، اتصلت به مرارا لكنه لا يجيب، قصدت بيته، طرقت الباب وأنا أشتاط غضبا وغيرة، فتح الباب وهو يحمل ابنته الصغيرة على ذراعه، حملق في وجهي بدهشة وفزع:

-        ما الذي تفعلينه؟

-        أريدك، ولن أستطيع تحمل هذا الأمر أكثر.

-        ما الذي تقولينه؟ اذهبي للبيت وسأتصل بك فيما بعد.

-        لن أغادر المكان قبل أن تذهب برفقتي.
خرجت زوجته فزعة، نظرت لكلينا مستغربة، توجهت بالسؤال له:

-        من هي؟ وماذا تريد؟.

-         ادخلي وخذي الطفلة معك

-        ما الذي يحدث ؟ وماذا تريده هذه المرأة؟

-         أنا حبيبته التي يلهو معها بينما أنت ترعين له أطفاله.
شعرت بألم على خدي، كانت يده قد صفعتني لتسكتني، أحسست بوجع بقلبي أكثر، انهرت بالبكاء أمام أعين المارة والجيران الفضوليين، دخل مغلقا باب بيت الزوجية وراءه، تركني ملقاة على الرصيف، أبكي وأصرخ، أتمزق وجعا، كلما صرخت إلا وازداد حقدي على العالم  بقلبي اتساعا، بكيت بشدة، اخترقني وجع مميت، لم أعد أسمع أو أحس بشيء، طرقت باب بيته بجنون، كان ينهرني من خلف الباب ويتوعدني بطلب الشرطة، هذا أسوأ شيء قد يقع لشخص وقع بالحب، ركضت إلى حيث لا أدري، اختفيت عن الأنظار التي كانت تراقبني، سقط قلبي عند عتبة بابه، لم أدرك أن الحب لا يعيش بنفس واحد، كنت أنا من بنيت قصرا عاجيا، وخبأت به حبيبي كملك نصبته على العرش، لكنه ألقى بي أمام رصيف بيته كأمة بها وباء.لم يعد لي مكان بقلبه، ولا حتى ببيتي، لذلك قررت المغادرة، فكرت بالهرب من نفسي ومن ذكرياتنا، لم أخبر أبي أني ابنة عاقة تركته ليواجه حديث الناس عن كون ابنته امرأة تسعى لسرقة رجال متزوجين، امرأة تخرب العلاقات الأسرية بسبب طيشها، لم أدرك أني سأعود بسبب امرأة فاقدة للذاكرة أو مريضة نفسيا، شاءت الصدف أن تجعلني مسؤولة عنها بشكل من الأشكال، نظرت للمرأة الجالسة بجانبي والتي لم تزح عينيها من على الورقة الصفراء الحاملة لأرقام لا جدوى منها، سألتها بلطف:

-        أتريدين العثور على ابنك؟

-        هل تعلمين مكانه؟

-        سنبحث عنه حتى نجده، ثقي بي لن أتركك.
نزلت من الحافلة، ويدي اليمنى تمسك حقيبتي الممتلئة و اليسرى تجر امرأة تائهة، لا أعرف حتى اسمها، أخذت حافلة أخرى تهم بالعودة، ركبنا سويا والمرأة لم تفارق أصابعها يدي، وجدت أن الحل الأنسب هو تسليمها لمركز الشرطة علهم يتعرفون على أهلها، وصلنا بعد ساعة ونصف، وتوجهنا لأقرب مركز شرطة، أدليت بما كان بجعبتي من معلومات وتركتهم يتدبرون أمرها، لم أكن أعرف هل القدر هو الذي جعلني أعود أدراجي؟ أم أن أخطائي تلاحقني وتأبى أن تفارقني؟ لماذا بعثت لي هذه المرأة لتعيدني كل هذه المسافة؟ هل أعود للبيت بحقيبتي بعد أن غادرت ليلة أمس دون أن أعلم أحدا؟ أم أعود للفندق وأختبئ من كل الفوضى التي تسببت بها؟ ما الذي سيحل بأبي إن عرف أني هربت تاركة ورائي كل شيء، عملي وبيتي،وابن عمي الأخرق الذي ينتظر الفرصة المواتية ليجعلني امرأته؟ تبا لقدري الذي جعلني ألتقي برجل دمر قلبي ودمرت حياته بالمقابل، جلست على مقعد عمومي، استجمعت قواي وأخرجت هاتفي، أعدت شريحتي القديمة، وطلبت ابن عمي بعد أن فتح الخط باغتته سائلة :

-        ألا تزال ترغب بالزواج مني؟
-        مريم؟ أين أنت؟ والدك سيجن من الخوف عليك، أأنت بخير؟

-        سألتك إن كنت تود الزواج مني فأجبني يا خالد.

-        طبعا أريد ذلك، أين أنت الآن ؟

-        نلتقي أمام بيتك بعد نصف ساعة.
أغلقت الخط دون التأكد من رده، كان ابن عمي آخر شخص قد أفكر  بالاقتران به، لكن ألمي  كان أقوى من اختياراتي، حملت حقيبتي، وذهبت لأصير عروسا، وأكمل حياتي التي سأبنيها على أنقاض ألم حب يتيم مشرد، لم أعرف ما الذي حل بالعجوز التي أعادتني، أتراها عثرت على ابنها ؟ أم أنها ركبت حافلة أخرى باحثة عن ابن قد لا يكون له وجود من الأصل؟ لربما ستذهب لتغير قدر شخص آخر، كما غيرت قدري، من يدري !

السبت، 7 نوفمبر 2015

أشياء من ذكرياتي...




لمن أورث كل تلك الأشياء الصغيرة التي تملأ خزانتي؟ الدبوس الزهري والمشبك الأبيض، أزرار قميص بلون ذهبي بوشم عرش، قارورة عطر فارغة على شكل تفاحة، خاتم نحاسي سقطت بلورته البلاستيكية، علبة كرتونية مغلفة بثوب كالشراشف - كانت هدية من صديق، قدمها لي لحفظ ممتلكاتي من الضياع- مجموعة من أزهار محنطة لا رائحة بها...بعض البطاقات البريدية التي تلقيتها في مناسبات متفرقة:نهاية السنة الدراسية، عيد مولدي، عيد شيء ما يستدعي تقديم بطاقة معايدة، رسالة حب من ابن الجيران - خبأتها كدليل ضده ،كنت موقنة من أني سأحتاجها في يوم من الأيام- مجموعة أصداف جمعتها من على شاطئ مدينة سلا في أول زيارة لي للبحر وأنا في سنتي العاشرة، لم أحب الشاطئ في أول زيارة لي لسبب التعري الذي كان سائدا آنذاك –وما يزال - لم أكن أرغب في الذهاب بعد أول زيارة خصوصا رفقة زوج شقيقتي، لسبب أني كنت أخاف من أن يفتتن بإحدى الحوريات" السلاويات" ، وتصير شقيقتي في خبر كان...لكن عادة ما كان يقابل رفضي للتوجه للشاطئ بالسخرية ، إذ كانوا يظنون أن السبب هو عدم تمكني من السباحة، وشربي لكميات مهولة من المياه المالحة، أخبرتني أمي بأن من شرب  من أمواج البحر سبع مرات على التوالي فلن يصيبه سحر، وطبعا أنا أثق بكلام أمي، كنت أشرب سبعا للمعالجة (كانت حماقة مني، فمن كان ليلقي بسحر على طفلة في العاشرة من عمرها !) وسبعا أخرى للاحتياط، والسبع الثالثة شربتها من أجل أمي ، فلا بحر بمدينتي لكي يستفيد منه المرضى والمسحورون ولا حتى العاطلون عن العمل...بعد امتلاء بطني بمياه البحر المختلطة بأشياء خلفها الزوار لا داعي لذكرها هنا، تجولت بين رمال الشاطئ باحثة عن الأصداف التي حدثنا عنها معلم العربية في القسم السادس ابتدائي، وخصوصا عن تلك التي توجد بباطن البحر وتحتوي على لؤلؤ ثمين، وقد أخبرنا عن  الأمر عندما كنا نستظهر سورة الرحمن "يخرج منها اللؤلؤ والمرجان، فبأي آلاء ربكما تكذبان" فقال بأن اللؤلؤ يوجد داخل الأصداف، ومن وجده سيعيش ثريا ويستطيع الذهاب لبيت الله دون أن يأخذ قرضا من أقاربه، كنت أبحث عن اللؤلؤ على شاطئ سلا، لكي أصير ثرية  وأشتري دراجة هوائية أتباهى بها أمام زميلاتي  في المرحلة الإعدادية، وما تبقى من مال سأسلمه لوالدتي لكي تتمكن من اقتناء "ثلاجة" لأن أغلب الأطعمة في المطبخ كانت معرضة للفساد بسبب الحرارة المفرطة خصوصا في فصل الصيف، ولكي أتمكن أيضا من صنع المثلجات المنزلية التي حفظت طريقة صنعها عن ظهر قلب قبل تطبيقها بفضل إعلان يقدم على القناة الثانية إذ كانت حينها تروج ليوغورت" دانينو"، مع أن أمي تقول بأن كل ما يعرض على التلفاز ليس جيدا، فأي بضاعة لم تلق رواجا بالسوق يلجأ أصحابها لترويجها عبر التلفاز، وأنا أصدق أمي وكلام أمي.

جلت الشاطئ طولا وعرضا، لدرجة كنت معرضة للضياع وعدم معرفة طريق العودة للبيت، ولم أعثر على لؤلؤ، إنما على بضع صدفات صغيرة الحجم لا تصلح إلا لتملأ فراغا بخازنتي إلى جانب بعض الرسومات التي كنت أشغل بها نفسي في العطلة الصيفية، كان الرسم أحد أصدقائي القلائل، إذ لا أغادر البيت لعدة أيام، أظل منهمكة بالتلوين والترميد ونقل الأشكال والمناظر من كتاب المطالعة و الجغرافيا الخاص بشقيقتي التي تكبرني بست سنوات، عندما أتقن رسما ما ، نقلا وتلوينا، كانت تكافؤني أمي بالسماح لي بتعليقها كلوحة من لوحات بيكاسو على جدار البيت، كان مكانا لا يصله الضيوف عادة، فلم أستطع أن أكسب جمهورا عريضا لمعرضي، لكن مع ذلك كنت أزور لوحاتي كل نصف ساعة، وأنظر إليها بعين المختص والناقد، فأبدأ بتعاليقي المعتادة: ما كان علي أن أكثر اللون الأزرق في الزاوية، اللون الأسود في الإطار لا يبدو متناسقا من حيث التوازي، يجب أن أشتري الألوان المائية فلم يعد بحوزتي اللون الأحمر، وسأحرم أيضا من البنفسجي لأنه يتطلب مزج الأزرق بالأحمر...قتل هذا الشغف بداخلي يوم قرر شقيقي نزع تلك الأشياء- كما سماها- من على الجدار بينما كان يعيد ترميم البيت وإعادة طلاء الأركان الأكثر ضررا، فتبخر معرضي وزال كأنه لم يكن يوما قائما، بكيت لعدة ساعات لفقدان ما كان ملكا لي، تبخرت أحلامي التي ترعرعت بين تلك اللوحات البريئة، لم يكن باستطاعتي تقبل هذا الحيف، فخططت للانتقام، صادفت في طريقي قطعا من الفحم المتبقي من عيد الأضحى، حملت أكثر قطعة تناسبت مع أصابعي، حملتها كما أحمل فرشاة التلوين وأقلامي، توجهت إلى الجدار الذي كان شاهدا على معرضي ،مشجعا لموهبتي، حاضنا لأحلامي، وبدأت أرسم أشكالا وأشخاصا على البساط الأبيض الذي فرغ شقيقي من العمل عليه، كان الجدار بالنسبة لي كورقة بيضاء كبيرة تحمل كل أفكاري دفعة واحدة، أنهيت جداريتي التي تكونت من لونين : الأبيض والأسود، لأعيش بعدها  أسبوعا أسود، محاصرة في الحمام، لا أخرج إلا بعد تيقني من مغادرته المنزل، كنت أستمع لوعيده تجاهي، بينما أمي تهدئ من روعه وتقنعه بأني طفلة ولا يجب محاسبتي على شيء كهذا، وأنا أومن بكلام أمي.

لملمت لوحاتي الثمينة ووضعت الأصداف بجانبها لتؤنسها، أقنعت نفسي بأن جمالية لوحاتي لا يجب أن يتذوقها العامة وخصوصا الشرير الذي سلبني معرضي- لا داعي لأذكر اسمه- ...

يتبع

على كراسي الانتظار

على كراسي الانتظار (مجموعة قصصية) سكينة علوي آخر إصدار للكاتبة سكينة علوي بعنوان: على كراسي الانتظار تعرض المجموعة القصصية على كراسي ...