أضع رأسي المنهك على وسادة مشبعة بعطر بقي عالقا بياقة قميصي، أتجول بفكري
بين كل تلك الأمور الغريبة التي اقترفتها، أحرك مقلتي بعصبية في الظلام، أتقلب
يمنة ويسرة، لا نوم يسري إلي، صوت عقارب ساعة يدي تصلني من على الطاولة التي علاها
الغبار ولم أجد لها وقتا لترتيبها، أخطط للاستيقاظ صباحا، أضبط منبهي، يشتت الظلام
على نفحات ضوء هاتفي، أغتنم الفرصة للنظر في بعض الصور المخزنة على بطاقة الذاكرة،
أبتسم بشرود، مسترجعة بعض تفاصيل الصور، أتذكر أشخاصا، وأتوجه للرسائل النصية،
لاشيء يغري على القراءة، بضع تهاني لحلول مناسبة ما، تبريكات بأحرف عربية منسوخة،
يبعثها أكثر من شخص وعلى نفس الشاكلة، أحيانا لا أتعب نظري بإكمال أحرف الرسالة،
لأني على علم مسبق بأنها نسخة عن سابقاتها، رسالة تختلف عن الأخريات: أحس
بالاختناق، لاشيء يجري كما أريده، أيعقل أن الرب نسي وجودي لأعاقب بعكس الأماني؟
كانت رسالة من صديقة لي تشتكي أحوالها المتردية، وسوء الطالع الذي يلاحقها،
لم يكن علي فعلا فتح هذه الرسالة، فلست في حال جيدة تسمح بإضافة هذا الحمل على
كاهلي، وجدت أن الرسالة بدون رد، بدأت أفكر في الجواب الأنسب على الرغم من أني
تأخرت لأسبوعين، تراها كلماتي ستجدي الآن أم أنها ستزيدها غرقا في الأحزان وتعيد
لها ذكرى على الأغلب قد نسيتها أو تجاوزتها لمحنة أخرى، صرفت النظر عن الرد، استسلمت
للظلام في انتظار الصباح، لم أعلم حقا متى غفوت، راودني حلم سيء للغاية دماء وجروح
وحيوانات تعج بالبيت،أحاول الركض لكن أطرافي مقيدة بفعل قوة ما، كنت أشعر بالخوف
وبطاقة سلبية تطبق على نفسي، حتى النظر كان يصعب علي لم أعرف إلى أين أتجه، أهو
الضياع ! انقضى الليل بمشقة الأنفس وأعلن المنبه عن
وقت الاستيقاظ أخيرا، ليالي الشتاء برغم طولها إلا أني اجد نفسي عطشة للنوم، وأني
أأدي ضريبة الأرق ليلا، أغلقت الصوت المزعج واستدرت للجهة المعاكسة، نظرت للحائط
أحاول استرجاع الخطط التي رسمتها ليلا لصرف يومي، قفزت من بين ثنايا الفراش معلنة
عن يوم جديد، يوم أعلم أني سأكابد من خلاله وأذوق الأمرين، يبتدئ يومي بالاستعداد
للخروج للعمل، ساعة زمنية كافية لتجعلني شخصا آخر من امرأة في الثلاثينيات بشعر
متطاير منكوش، ومنامة طفولية اجتمعت بها كل تجاعيد العالم، إلى أنثى بهندام مرتب ورائحة عطر زكي اختير بعناية...وما
أسعدني حين يسألني أحد عن اسم العطر المسكوب على ياقتي وأكمام قميصي ، وعن مكان
اقتنائه، ويكأن العطر من صنعي، وجوه الأشخاص الذين يجمعني بهم نفس طريق العمل
تتشابه في ملامح العياء والتعب والكدح من أجل لقمة عيش، أتزاحم معهم في الحافلة،
أحيانا قليلة أجد مكانا شاغرا للجلوس، يكون في العادة كرسيا يوشك على أن يترك
مكانه بسبب شغب المراهقين الذين شفطت المخدرات الرخيصة عقولهم، وأحايين كثيرة لا
أجد حتى خمس سنتميرات لأقف بها دون أن
يحتك بي مخبول بمؤخرات النساء أو مراهق متحرش غاب عقله بسبب سيجارة حشيش أخذها قبل
الصعود للحافلة، كنت من محبات القراءة، في الماضي كنت آخذ لي مكانا قصيا أنهل فيه
من رواية عالمية أو محلية، لكن الآن ليتني أصل إلى عملي دون أن أفقد شيئا من أغراضي
بفعل السرقات المتكررة التي يتعرض لها الركاب، أتذكر اليوم الذي كنت عائدة فيه من
مدينة الدار البيضاء بعد مرافعة طويلة في المحكمة حول قضية ابتزاز تعرضت لها موكلتي
"ج" بسبب صور التقطت لها وهي تأذ حماما فكان الجار المخبول ومتربصا بها
مهيئا كل الوسائل لتظهر موكلتي في صور وأيضا شريط إيباحي انتشر على موقع التواصل
الاجتماعي كما تنتشر النار بالهشيم... أخذت الحافلة الوحيدة التي تصل إلى بيتي والتي تحمل الرقم 7 ، والذي صار يمثل أمامي فأل
سوء لا أكثر،كانت الساعة تتجاوز الثامنة ليلا ببضع دقائق، مررنا بجانب غابة أشار
الفلين، توقفت الحافلة على حين غفلة من ركابها، وعلى غير عهدها إذ ليس المكان
بموقف مخصص للحافلات، سمعت صوت امرأة
تولول من هول مفاجأة غير سارة، وأنا القابعة في كرسي خلفي بالحافلة، لم أعرف ما لذي يجري، اختلجني شعور رهيب بالفزع، فتح
الباب الخلفي على وقع تهشم زجاج النوافذ من الجهة اليمنى للحافلة، لم أتذكر حينها
هل تلوت بعضا من الآيات المنجيات، لأني فعلا شعرت أن لساني قد أصابه شلل كامل،
اقتحم المكان شباب مخمورون، يتمايلون على إيقاعات تمليها عليهم عقولهم لا أكثر،
وبينما أنا أتمايل من خوفي شاهدت عيني واحدا منهم كان وجهه محجوبا بقناع لا يظهر
إلا عينيه، كانتا مرعبتين كعيني حيوان مفترس جائع اشتم رائحة البشر من على بعد
أميال، تمنيت حينها لو تنشق الحافلة وأغوص أرضا، أو حتى أن يصير للكرسي القابع في
مكانه أجنحة تحلق بي عاليا... وسط فزع الركاب وصراخ النساء لم يكن للمخمور إلا أن
ترك كل الحاضرين لتتوجه نظراته إلى حقيبتي الجلدية الملأى بقضايا عالقة أغلب
أصحابها من المظلومين الذين أخذت أراضيهم جورا أو ممن طلقهن أزواجهن وتركوا عبء المصاريف عليهن، أو ممن يدعون تعرضهم لابتزازات مالية وجنسية أو غيرها من المصائب التي صارت تتخذ لها أشكالا
وتلاوين جمة، أحسست فعلا بأني مهددة بسبب هذه الحقيبة اللعينة التي إن رآها شخص لا
يملك حسا إجراميا، سيظن أنها تحوي ملاين السنتيمات، جاء الصوت مرتعشا متلعثما تعلوه
بحة ":
-
أخرجوا ما بجيوبكم، ومن تجرأ على الصراخ أو
محاولة الهرب سيكون جثة هامدة.
انتشر الرجال الستة عبر الحافلة يشهرون
سيوفهم في وجه الركاب، لم يستطع أحد أن
ينبس بنت شفة، كنت موقنة أن الرجال سيصلون لي عاجلا أم آجلا، كانت أطرافي تأبى مطاوعتي، كانت تتحرك
بدون انقطاع " يا أ الله يا رب السموات والأرض، يا رحيم ارحمنا، اللهم اجعل من بين
أيديهم ومن خلفهم سدا – لم أكن أعرف مدى صحة الآية، قلت حينها النية أبلغ من العمل- ، يا
رب فقط نجني من هذه المصيبة ولن أراه مجددا" قلت هذا مرددة إياه مرارا علها تحميني هذه
الكلمات من غضب سكير قد يترك سكينه برقبتي، أردت أن أضحي به بدلا من أن أضحي
بنفسي، قلت الحب ليس كل شيء، ربما هي علامة إلهية ظهرت أمامي لتركه يرحل من حياتي،
وأنا التي عقدت أحلامي وحياتي القادمة على وجوده، قلت الحب لا يقتل لكن سكينا من
سكير طائش تقتل وتجعلني في عداد الذين ترحم عليهم سبع ليال ونصف يوم، و غطاهم
النسيان طيلة الحياة الدنيوية، لا أعرف ما الذي جعلني أعدل عن قراري، وأتشبث به
أكثر وأتصل به بعد أن نزلت سالمة من الحافلة اللعينة، حمدا لله لم يستطيعوا أن
يصلوا إلي لنهب ممتلكاتي، فقد تدخل القدر بهروبهم إبان رؤيتهم لسيارة نقل الأموات التي كان مصباحها يومض من بعيد،
ظهر لهم على أنه تابع لدورية شرطة، يا لها من راحة، أن تنقذك جثة شخص ميت ولا تعرف
أهو ذكر أم أنثى، تجعلك صدفة كهذه ترغب بفتح الكفن لتقبيل رأسه والدعاء له بالرحمة، جراء
الخدمة التي لم يستطع من هو على قيد الحياة القيام بها.
-
أين أنت؟ أتصل ولا تجيب .... لقد اعترض طريقي
مخمورون وكادوا يسطون على حقيبتي.
كانت رسالة مقتضبة لم أستطع فيها شرح ما وقع
بالتفصيل، أصعب شيء هو أن تكون بحاجة لشخص ولا تجده بجانبك وكل الطرق لا تؤدي
إليه، لم أستطع تمالك نفسي، أجهشت ببكاء حارق لقلبي، لم أكن أعرف تحديدا، هل أبكي
لأني عشت تجربة سيئة على متن الحافلة؟ أم لأني لم أجده وقت ضعفي؟ أم لأني لم أستطع الوفاء بوعدي الذي قطعته أمام الرب في حالة خوف؟ نعم لقد قررت حينها الابتعاد عنه، وأقسمت بمن يغرب الشمس
ويشرقها أن يكون في عداد المنسيين، لكني هربت منه إليه، وعند هروبي لم أجد له
أثرا، أين أنت بالله عليك؟ لماذا بحق الجحيم لست معي الآن؟ اللعنة علي وعليك وعلى كل شيء في هذا العالم
البائس، كلها شتائم فاض بها قلبي قبل أن تصل للساني.
أحببته بقدر السماء، وكنت مدركة أنه إذا حدث
وتعلق قلبي بأحد سأحرم منه بأي شكل من الأشكال، كنت أنتظر شكل النهاية لأن النهاية
موقنة لا محالة، قد أختلق عذرا واهيا يجعلني من عدواته اللدودات، أو قد يتكفل
القدر بذلك ليلقي بنا على قارعة النسيان أو يقيدنا برباط الألم والفراق، سمعت أن
عصير الليمون كفيل بأن يجعلك نشيطا كل اليوم، أشرب كميات كبيرة منه، وأتناول حلويات
بنكهة الليمون، وأقرأ مقالات عدة خلال اليوم عن فوائد الليمون، لكن لا نشاط ولا
حيوية،وصلت العمل اليوم وأنا في كامل تعبي وسخطي على كل الأشياء الصغيرة التي تظل
تطرق جدار رأسي، أحس بأن بدماغي زحمة سير ولا شرطي ولا أضواء ولا إشارات لتنظيمها،
كنت أفكر أن أبدأ في التدخين، لكني لم أكن أملك ولاعة، أو ربما أقنعت نفسي بذلك
لكي لا أخطو أول خطوة نحو إدمان شيء بعدما كنت مدمنة على حبه وعلى صوته وعلى
نفسه المتقطع وأنا أتحرش به وقت الغروب،
وجدت ملفات متراكمة فوق مكتبي الذي يأبى أن يعثر على طريقة لتنظيمه، تماما مثل أفكاري
الآن، ما الذي سأفعله لو لم أكن محامية؟ سؤال أطرحه كل يوم على انعكاس صورتي في
المرآة وعلى كوب القهوة الصباحي أو المسائي وعلى شاشة الحاسوب قبل أن يعلن عن بدء
عمله، كلما رأيت وجهي أو شكلي على انعكاس شيء ما أتساءل، لكني أجيب نفسي بعد إرهاق
تفكير، ربما كنت سأختار أن أكون رسامة، أرسم الملامح التي بقيت عالقة في بالي،
أرسم لي قصرا من آمال عذبة ، ووطنا من حلوى هلامية، وعساكر من سكاكر...سأرسمه كما
يراه قلبي لا كما أرتنيه الأيام، سأرسمه وسيما أنيقا بعطر زهر ليمون زكي الرائحة،
سأرسمه شاعرا يتغزل بي عند كل استيقاظ، سأرسمه عداء يعدو نحوي كل وهلة دون كلل،
سأرسمه بطلا يطوقني بعضلاته ويلقي علي رداءه الأسود الذي استقاه من زورو بالأفلام
الكرتونية، سأرسم كل الأماني الجميلة التي قد تجمعني به، سأرسم سريرنا من ريش سنونو
يذكرنا برائحة البحر ونحن نعتكف حبا فوق جبال الفرح بعيدا عن أعين كل
الفضوليين،سأرسم كل هذا دون أن أستعمل لونا أسود، يكفيني سواد لحيته الذي يحرض على
النهل من مقاطع فيروز الغنائية.
حرضت نفسي على إعادة النظر في القضايا المتراكمة
و العالقة بين ملفات محاكم البلاد، والتي علق أصحابها آمالا كبيرة كي يأتي الفرج
عل يدي، لكنهم نسوا أني متحايلة أكثر من كوني محامية تطبق القانون بحذافيره،
أحيانا أقف بجانب الظلم على حساب المظلوم، أتقاضى أتعابي وأنا في كامل انتشائي
بنصري خلال المرافعة، الهزيمة شيء مخز فعلا، كنت ومازلت أحب النصر ولو على حساب
غيري، كنت أدرك أني أمتلك جانبا إبليسيا لا يظهر على وجه تميل ملامحه للطيبة والسذاجة أكثر من الدهاء والمكر،
كنت ألبس عباءة الطيبوبة وكنت أحسن لعب الأدوار واستغلال الفرص المتاحة أمامي، لكن
كما قيل "سعيد في العمل، تعيس في الحب" وقلبي أنا حمل أتعس حب في كل
الدنيا، ربما لهذا أنا أحاول الآن جاهدة التركيز على عملي أكثر من البحث عن حب
يملأ جنبات قلبي الشره، لن أتحدث أكثر عن الحب الذي سبب شرخا في قلبي و الذي مازلت
أتلقى علاجا للنسيان لمداواته، يكفي الاعتراف بأني فشلت بكسب رهان هذا الحب، ربما
لأني اعتبرته قضية عالقة من القضايا المترامية فوق مكتبي،
لم أرد لهذه القصة أن تنتهي، لكن القدر أقوى
من قلمي،سيكون للحديث بقية...
