السبت، 7 نوفمبر 2015

أشياء من ذكرياتي...




لمن أورث كل تلك الأشياء الصغيرة التي تملأ خزانتي؟ الدبوس الزهري والمشبك الأبيض، أزرار قميص بلون ذهبي بوشم عرش، قارورة عطر فارغة على شكل تفاحة، خاتم نحاسي سقطت بلورته البلاستيكية، علبة كرتونية مغلفة بثوب كالشراشف - كانت هدية من صديق، قدمها لي لحفظ ممتلكاتي من الضياع- مجموعة من أزهار محنطة لا رائحة بها...بعض البطاقات البريدية التي تلقيتها في مناسبات متفرقة:نهاية السنة الدراسية، عيد مولدي، عيد شيء ما يستدعي تقديم بطاقة معايدة، رسالة حب من ابن الجيران - خبأتها كدليل ضده ،كنت موقنة من أني سأحتاجها في يوم من الأيام- مجموعة أصداف جمعتها من على شاطئ مدينة سلا في أول زيارة لي للبحر وأنا في سنتي العاشرة، لم أحب الشاطئ في أول زيارة لي لسبب التعري الذي كان سائدا آنذاك –وما يزال - لم أكن أرغب في الذهاب بعد أول زيارة خصوصا رفقة زوج شقيقتي، لسبب أني كنت أخاف من أن يفتتن بإحدى الحوريات" السلاويات" ، وتصير شقيقتي في خبر كان...لكن عادة ما كان يقابل رفضي للتوجه للشاطئ بالسخرية ، إذ كانوا يظنون أن السبب هو عدم تمكني من السباحة، وشربي لكميات مهولة من المياه المالحة، أخبرتني أمي بأن من شرب  من أمواج البحر سبع مرات على التوالي فلن يصيبه سحر، وطبعا أنا أثق بكلام أمي، كنت أشرب سبعا للمعالجة (كانت حماقة مني، فمن كان ليلقي بسحر على طفلة في العاشرة من عمرها !) وسبعا أخرى للاحتياط، والسبع الثالثة شربتها من أجل أمي ، فلا بحر بمدينتي لكي يستفيد منه المرضى والمسحورون ولا حتى العاطلون عن العمل...بعد امتلاء بطني بمياه البحر المختلطة بأشياء خلفها الزوار لا داعي لذكرها هنا، تجولت بين رمال الشاطئ باحثة عن الأصداف التي حدثنا عنها معلم العربية في القسم السادس ابتدائي، وخصوصا عن تلك التي توجد بباطن البحر وتحتوي على لؤلؤ ثمين، وقد أخبرنا عن  الأمر عندما كنا نستظهر سورة الرحمن "يخرج منها اللؤلؤ والمرجان، فبأي آلاء ربكما تكذبان" فقال بأن اللؤلؤ يوجد داخل الأصداف، ومن وجده سيعيش ثريا ويستطيع الذهاب لبيت الله دون أن يأخذ قرضا من أقاربه، كنت أبحث عن اللؤلؤ على شاطئ سلا، لكي أصير ثرية  وأشتري دراجة هوائية أتباهى بها أمام زميلاتي  في المرحلة الإعدادية، وما تبقى من مال سأسلمه لوالدتي لكي تتمكن من اقتناء "ثلاجة" لأن أغلب الأطعمة في المطبخ كانت معرضة للفساد بسبب الحرارة المفرطة خصوصا في فصل الصيف، ولكي أتمكن أيضا من صنع المثلجات المنزلية التي حفظت طريقة صنعها عن ظهر قلب قبل تطبيقها بفضل إعلان يقدم على القناة الثانية إذ كانت حينها تروج ليوغورت" دانينو"، مع أن أمي تقول بأن كل ما يعرض على التلفاز ليس جيدا، فأي بضاعة لم تلق رواجا بالسوق يلجأ أصحابها لترويجها عبر التلفاز، وأنا أصدق أمي وكلام أمي.

جلت الشاطئ طولا وعرضا، لدرجة كنت معرضة للضياع وعدم معرفة طريق العودة للبيت، ولم أعثر على لؤلؤ، إنما على بضع صدفات صغيرة الحجم لا تصلح إلا لتملأ فراغا بخازنتي إلى جانب بعض الرسومات التي كنت أشغل بها نفسي في العطلة الصيفية، كان الرسم أحد أصدقائي القلائل، إذ لا أغادر البيت لعدة أيام، أظل منهمكة بالتلوين والترميد ونقل الأشكال والمناظر من كتاب المطالعة و الجغرافيا الخاص بشقيقتي التي تكبرني بست سنوات، عندما أتقن رسما ما ، نقلا وتلوينا، كانت تكافؤني أمي بالسماح لي بتعليقها كلوحة من لوحات بيكاسو على جدار البيت، كان مكانا لا يصله الضيوف عادة، فلم أستطع أن أكسب جمهورا عريضا لمعرضي، لكن مع ذلك كنت أزور لوحاتي كل نصف ساعة، وأنظر إليها بعين المختص والناقد، فأبدأ بتعاليقي المعتادة: ما كان علي أن أكثر اللون الأزرق في الزاوية، اللون الأسود في الإطار لا يبدو متناسقا من حيث التوازي، يجب أن أشتري الألوان المائية فلم يعد بحوزتي اللون الأحمر، وسأحرم أيضا من البنفسجي لأنه يتطلب مزج الأزرق بالأحمر...قتل هذا الشغف بداخلي يوم قرر شقيقي نزع تلك الأشياء- كما سماها- من على الجدار بينما كان يعيد ترميم البيت وإعادة طلاء الأركان الأكثر ضررا، فتبخر معرضي وزال كأنه لم يكن يوما قائما، بكيت لعدة ساعات لفقدان ما كان ملكا لي، تبخرت أحلامي التي ترعرعت بين تلك اللوحات البريئة، لم يكن باستطاعتي تقبل هذا الحيف، فخططت للانتقام، صادفت في طريقي قطعا من الفحم المتبقي من عيد الأضحى، حملت أكثر قطعة تناسبت مع أصابعي، حملتها كما أحمل فرشاة التلوين وأقلامي، توجهت إلى الجدار الذي كان شاهدا على معرضي ،مشجعا لموهبتي، حاضنا لأحلامي، وبدأت أرسم أشكالا وأشخاصا على البساط الأبيض الذي فرغ شقيقي من العمل عليه، كان الجدار بالنسبة لي كورقة بيضاء كبيرة تحمل كل أفكاري دفعة واحدة، أنهيت جداريتي التي تكونت من لونين : الأبيض والأسود، لأعيش بعدها  أسبوعا أسود، محاصرة في الحمام، لا أخرج إلا بعد تيقني من مغادرته المنزل، كنت أستمع لوعيده تجاهي، بينما أمي تهدئ من روعه وتقنعه بأني طفلة ولا يجب محاسبتي على شيء كهذا، وأنا أومن بكلام أمي.

لملمت لوحاتي الثمينة ووضعت الأصداف بجانبها لتؤنسها، أقنعت نفسي بأن جمالية لوحاتي لا يجب أن يتذوقها العامة وخصوصا الشرير الذي سلبني معرضي- لا داعي لأذكر اسمه- ...

يتبع

على كراسي الانتظار

على كراسي الانتظار (مجموعة قصصية) سكينة علوي آخر إصدار للكاتبة سكينة علوي بعنوان: على كراسي الانتظار تعرض المجموعة القصصية على كراسي ...